تقرير: الحقيقة 24
في وقت تتفاقم فيه أزمات مياه الشرب بعدد من المدن السودانية، وتزداد معاناة المواطنين في الحصول على المياه، تتكشف داخل مؤسسات وهيئات المياه أزمة أخرى لا تقل خطورة، عنوانها ضعف الأجور، ونقص الإمكانات، وتراجع بيئة العمل، وسط ضغوط متزايدة يتحملها العاملون المسؤولون عن تشغيل المحطات وصيانة الشبكات وضمان استمرار الخدمة.
ومن خلال إفادات عاملين وفنيين وموظفين في قطاع المياه، رصدت الحقيقة 24 واقعاً معقداً يواجهه هذا القطاع الحيوي، يتمثل في تراجع التمويل، ونقص المعدات وقطع الغيار، وتأخر عمليات الصيانة، إلى جانب أوضاع معيشية صعبة يعيشها العاملون بسبب تدني الرواتب وغياب الحوافز.
ويؤكد عاملون أن الحرب فاقمت أزمة كانت قائمة منذ سنوات، حيث تراجع الإنفاق على الخدمات الأساسية مقابل تصاعد الضغوط الاقتصادية، ما انعكس بصورة مباشرة على أداء مؤسسات المياه وقدرتها على الاستجابة للأعطال المتكررة والاحتياجات المتزايدة للمواطنين.
وبحسب شهادات حصلت عليها الحقيقة 24، فإن عدداً من المحطات يعمل بإمكانات محدودة، فيما تواجه فرق الصيانة صعوبات كبيرة في توفير المعدات والوسائل الفنية اللازمة لإنجاز مهامها، الأمر الذي يهدد استقرار الإمداد المائي في عدد من المناطق.
ويقول أحد العاملين إن الرواتب الحالية لم تعد تواكب الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، مضيفاً أن العديد من الكفاءات الفنية غادرت مواقع العمل خلال السنوات الأخيرة، ما أدى إلى فجوات متزايدة في التخصصات الحيوية داخل القطاع.
ويرى عاملون أن استمرار ضعف التمويل وتراجع الاهتمام بقطاع المياه يثير تساؤلات حول أولويات الإنفاق العام، خاصة أن المياه تمثل خدمة أساسية ترتبط مباشرة بحياة المواطنين وصحتهم واستقرارهم.
كما حمّل عدد منهم السياسات الإدارية السابقة، وما وصفوه بالمحاصصات وإضعاف المؤسسات المهنية، مسؤولية جانب من التدهور الذي أصاب القطاع، مؤكدين أن الحرب الحالية عمّقت الأزمة وفاقمت آثارها.
ومع اتساع رقعة العطش في العديد من المناطق، يبقى السؤال مطروحاً حول مستقبل قطاع المياه في السودان، وقدرته على الصمود في ظل البنية التحتية المتهالكة، ونقص الموارد، وتراجع أوضاع العاملين الذين يواصلون أداء مهامهم رغم الظروف الصعبة.
فبين مواطن يبحث عن قطرة ماء، وعامل يكافح لإصلاح الأعطال، ومؤسسة تواجه شح الإمكانات، تبدو أزمة المياه انعكاساً لأزمة أوسع تعيشها القطاعات الخدمية في السودان، وسط مطالب متزايدة بإصلاح حقيقي يضع الخدمات الأساسية في مقدمة الأولويات الوطنية.
