تقرير: الحقيقة 24
مع دخول النزاع المسلح في السودان فترات أكثر تعقيداً على الصعيدين العسكري والإنساني، تتوالى المبادرات الإقليمية والدولية وتتصاعد دعوات الهدنة الإنسانية في المنابر الخارجية، لكنها وسرعان ما تبدو بلا صدى حقيقي على أرض الواقع المعاش.
وفي غمار هذا المشهد المأزوم، يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً في الشارع السوداني مَن الذي يقف عائقاً أمام قطار السلام، وكيف تحولت المواقف السياسية والعسكرية إلى جدران سميكة تمنع أي اختراق دبلوماسي؟
موازين القتال وشروط الميدان
ميدانياً، يبدو أن لغة البنادق والمسيرات هي الأعلى صوتاً فالقوات المسلحة ترهن أي تقدم في مسار التفاوض بالتنفيذ الصارم لـ “إعلان جدة” الموقع في مايو 2023، والذي يشترط إخلاء قوات الدعم السريع للمدن، و التسليم الكامل .
وترى القيادة العسكرية ومع معها تيار من الإسلاميين أن تقديم أي تنازلات دون حسم هذا الملف يُعد مهدد لبقاء التنظيم الاسلامي و انهيار المنظومة العسكرية.
في المقابل، تتمسك قوات الدعم السريع بالتفاوض، متهمةً الجيش بمقاطعة المنابر الدولية (مثل جنيف وقمم الإيغاد) وتأثر قراره بتيارات النظام السابق، بينما تضع شروطاً يراها المراقبون تعجيزية ومحاولة لفرض واقع عسكري وسياسي جديد بقوة السلاح.
الحركة الإسلامية والمقاومة الشعبية: التمسك بالحسم
وفي معسكر إسناد الدولة والجيش، يبرز موقف “الحركة الإسلامية” وحزب “المؤتمر الوطني” كحائط صد صلب أمام أي تسويات قد تفضي إلى إعادة إنتاج الدعم السريع في المشهد السوداني. هذا التيار، الذي انتقل من التنظير السياسي إلى الفعل الميداني عبر انخراط كوادره الشبابية في جبهات القتال (مثل لواء البراء بن مالك) وقيادة حراك “المقاومة الشعبية المسلحة”، يرى في الحرب “معركة وجودية” للدولة ومؤسساتها، معتبراً أن أي صيغة سلام لا تضمن التفكيك الكامل للتمرد هي مجرد “استراحة محارب” تؤجل أزمة أعمق.
الشارع المدني.. تشظٍّ يعيق الضغط
على الجانب الآخر، يعيش الطيف المدني والسياسي السوداني حالة من الاستقطاب الحاد عاقت تشكيل جبهة داخلية موحدة قادرة على الضغط الفعال لإنهاء الحرب.
صمود”: تواصل تحركاتها الدبلوماسية الخارجية للمطالبة بوقف فوري غير مشروط للعدائيات، لكنها تواجه اتهامات محلية مستمرة بـ “التماهي” مع الدعم السريع، لا سيما بعد التفاهمات السياسية الموقعة بينهما في أديس أبابا.
الكتل الوطنية وحركات الكفاح المسلح: حسمت مواقفها بالقتال الفعلي إلى جانب الجيش، رابطةً السلام بالانتصار العسكري وإخراج الدعم السريع من المقرات المدنية.
القوى الجذرية ولجان المقاومة: تتمسك بشعار “لا للحرب.. ولا للشراكة مع العسكر”، معتبرةً طرفي الصراع واجهة لثورة مضادة، ومطالبةً ببناء سلطة مدنية كاملة من الأسفل، وهو موقف يراه البعض مثالياً أمام وطأة الموت والدمار اليومي.
المواطن و الحقيقة
وسط هذا التجاذب السياسي الحاد، تبقى “غرف الطوارئ” والمبادرات الشبابية الإنسانية في الداخل هي الصوت الأكثر تعبيراً عن حاجة المواطن الحقيقية. بالنسبة لهؤلاء، فإن السلام ليس ترفاً سياسياً أو محاصصة سلطوية، بل هو “إجراءات عاجلة” لفتح الممرات الآمنة، ووقف القصف على الأحياء، وإدخال المساعدات لمحاصرة شبح المجاعة والنزوح المستمر.
ختاماً، تظهر المؤشرات الإقليمية والدولية أن الأزمة السودانية باتت أسيرة معادلة صفرية؛ حيث يرى كل طرف السلام من منظور إلغاء الآخر أو إملاء الشروط عليه، مما يجعل من أي دعوة لهدنة مؤقتة مجرد حبر على ورق الدبلوماسية، طالما لم تجد طريقها لتفكيك عقد الأزمة على الأرض.
