اقتصاد الحرب يلتهم السودان: بين سراب «ديسمبر 2018» وخطر الفوضى الشاملة
تقرير | الحقيقة 24
لم يعد الانهيار الاقتصادي في السودان مجرد أزمة معيشية عابرة، ولا مجرد تراجع في قيمة الجنيه أمام الدولار، بل تحول الاقتصاد نفسه إلى واحدة من أكثر ساحات الحرب استنزافاً للمواطن والدولة معاً.
وبعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، يواجه السودانيون انهياراً متسارعاً في القوة الشرائية، وارتفاعاً حاداً في أسعار السلع والخدمات، وتراجعاً في النشاط الإنتاجي والتجاري، وسط اضطراب كبير في سوق الصرف وتراجع قدرة الأسر على تأمين احتياجاتها الأساسية.
ومع تجاوز سعر الدولار حاجز 8 آلاف جنيه سوداني في السوق، وفق الأسعار المتداولة، لم يعد سعر الصرف مجرد رقم في النشرات الاقتصادية؛ بل أصبح مؤشراً يومياً على حجم الأزمة التي تضرب حياة ملايين السودانيين.
في المقابل، لجأت قطاعات من الشركات والمصانع والتجار إلى تقليص النشاط أو تجميد عمليات البيع والإنتاج، في ظل صعوبة استيراد مدخلات الإنتاج، وارتفاع تكاليف التشغيل، واضطراب حركة النقل والتجارة، الأمر الذي انعكس مباشرة على الأسواق والمستهلكين.
وسط هذا المشهد، يبرز سؤال سياسي واجتماعي شديد الحساسية:
هل يمكن أن تقود الضغوط الاقتصادية المتزايدة إلى حراك شعبي واسع يشبه، في دوافعه المعيشية، ما حدث قبيل ثورة ديسمبر 2018؟ أم أن الحرب غيّرت بنية المجتمع السوداني إلى درجة تجعل تكرار ذلك السيناريو أمراً بالغ الصعوبة؟
السودان بين أزمتين
ظاهرياً، تبدو المقارنة بين الوضع الحالي وأزمة 2018 منطقية.
في الحالتين، هناك ارتفاع كبير في الأسعار، وتراجع في قيمة العملة، وصعوبات في الحصول على النقد، وتآكل مستمر في القدرة الشرائية.
لكن التشابه الاقتصادي لا يعني بالضرورة تشابه الظروف السياسية والاجتماعية.
في ديسمبر 2018 كان السودان لا يزال يمتلك دولة مركزية أكثر تماسكاً، ومؤسسات تعمل بدرجات متفاوتة، واقتصاداً إنتاجياً لم يتعرض بعد للدمار الواسع الذي خلفته الحرب الحالية.
كما كانت هناك طبقة وسطى نشطة، واتحادات ونقابات وتنظيمات مهنية ومدنية، وشبكات اجتماعية وسياسية قادرة على تحويل الغضب الاقتصادي إلى حراك منظم واسع النطاق.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة جذرية.
الحرب دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح واللجوء، وأفرغت مدناً ومراكز اقتصادية من جزء كبير من سكانها، وشتتت التنظيمات المدنية، وأضعفت القدرة على بناء حراك مركزي موحد.
لذلك فإن استنساخ تجربة ديسمبر 2018 حرفياً يبدو أمراً أكثر تعقيداً.
من اقتصاد الأزمة إلى اقتصاد الحرب
الفرق الأساسي بين المرحلتين يكمن في طبيعة الاقتصاد نفسه.
أزمة 2018 كانت أزمة دولة واقتصاد يعانيان من سوء الإدارة والاختلالات الهيكلية ونقص النقد الأجنبي والتضخم وشح السيولة.
أما الاقتصاد السوداني اليوم فيعمل تحت تأثير حرب واسعة النطاق أدت إلى تعطيل قطاعات الإنتاج والتجارة والزراعة والصناعة، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وتراجع الصادرات، وتقييد حركة رؤوس الأموال.
كما أدت الحرب إلى انتقال جزء كبير من النشاط الاقتصادي من الاقتصاد الرسمي إلى الاقتصاد غير الرسمي، مع توسع شبكات التجارة والمضاربة والتحويلات المالية خارج القنوات المصرفية التقليدية.
وبذلك أصبح المواطن أمام معادلة قاسية:
الدخل يتراجع، والأسعار ترتفع، والعملة تفقد قيمتها، بينما تتقلص فرص العمل والإنتاج.
الدولار يتحول إلى مؤشر يومي للمعاناة
في الحياة اليومية للسودانيين، لم يعد سعر الدولار قضية تخص التجار والمستوردين فقط.
ارتفاع الدولار يعني ارتفاع تكلفة الغذاء، والدواء، وقطع الغيار، ووسائل النقل، ومدخلات الإنتاج، والسلع الاستهلاكية.
ومع اعتماد الاقتصاد السوداني بدرجة كبيرة على الواردات في قطاعات حيوية، فإن أي ارتفاع في تكلفة النقد الأجنبي ينعكس سريعاً على المستهلك النهائي.
وهنا تتسع دائرة التضخم:
ارتفاع الدولار يرفع تكلفة الاستيراد، وارتفاع تكلفة الاستيراد يرفع أسعار السلع، وارتفاع الأسعار يقلل القدرة الشرائية، ثم يؤدي ضعف الطلب إلى تقليص النشاط التجاري والإنتاجي، فتتراجع فرص العمل والدخل.
إنها دائرة اقتصادية مغلقة يصعب كسرها في ظل استمرار الحرب.
هل تستطيع الحلول الأمنية وقف الغلاء؟
مع ظهور احتجاجات مطلبية متفرقة في بعض المناطق بسبب ارتفاع الأسعار وتدهور الخدمات، تواجه السلطات تحدياً يتجاوز حدود السيطرة على الشارع.
فالقبضة الأمنية قد تتمكن من تفريق تجمع أو احتواء احتجاج، لكنها لا تستطيع وحدها معالجة أسباب الأزمة الاقتصادية.
لا يمكن للأجهزة الأمنية أن تضخ النقد الأجنبي في السوق، أو تعيد تشغيل مصنع متوقف، أو تزيد الإنتاج الزراعي، أو تخفض تكلفة النقل، أو توفر الأدوية، أو تعيد الثقة إلى النظام المصرفي.
ولهذا فإن التعامل الأمني مع الاحتقان الاقتصادي، إن أصبح بديلاً عن المعالجة الاقتصادية والسياسية، قد ينجح في تأجيل الانفجار لكنه لا يعالج جذور الأزمة.
اقتصاد الحرب وشبكات التكسب
في الحروب، لا يخسر الجميع بالدرجة نفسها.
فبينما تفقد الأسر مدخراتها وتتراجع دخولها، تنشأ في المقابل مساحات جديدة للتكسب من تجارة العملات والسلع والوقود والنقل والخدمات المرتبطة بالحرب.
وهذه الظاهرة لا ترتبط بطرف واحد بالضرورة، وإنما تظهر عادة في البيئات التي تتراجع فيها الرقابة الرسمية وتنتشر الأسواق الموازية وتضعف المؤسسات المالية.
ومع استمرار الحرب، تصبح بعض الأنشطة المرتبطة بها أكثر ربحية من النشاط الإنتاجي الطبيعي.
وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات اقتصاد الحرب:
كلما طال أمد الصراع، قد تتشكل مصالح اقتصادية تستفيد من استمرار حالة عدم الاستقرار.
لماذا يصعب تكرار ديسمبر 2018؟
الاحتجاجات التي أسقطت نظام عمر البشير لم تكن نتيجة الأسعار وحدها.
كان هناك غضب اقتصادي، لكنه تداخل مع مطالب سياسية ومدنية، وشبكات نقابية ومهنية، وحراك طلابي وشبابي، ولجان مقاومة وتنظيمات مدنية لعبت أدواراً مهمة في التعبئة.
أما اليوم، فقد أصبحت الأولويات اليومية لكثير من السودانيين أكثر ارتباطاً بالبقاء.
الأمن، الغذاء، الماء، الدواء، السكن، التعليم، وفرص العمل أصبحت قضايا تتقدم على كثير من المطالب السياسية.
كما أن ملايين السودانيين أصبحوا خارج مناطقهم الأصلية، بين معسكرات النزوح ودول اللجوء ومناطق مختلفة من البلاد.
وهذا التشتت الجغرافي والاجتماعي يجعل تشكيل حراك وطني مركزي بالسرعة والتنظيم نفسيهما اللذين شهدهما السودان في 2018 أكثر تعقيداً.
ثلاثة مسارات محتملة
أولاً: احتجاجات معيشية متفرقة
قد يؤدي استمرار تدهور القدرة الشرائية إلى ظهور احتجاجات محلية مرتبطة بأسعار الغذاء والدواء والمواصلات والخدمات.
هذا النوع من الاحتجاجات لا يحتاج بالضرورة إلى قيادة سياسية مركزية، وقد يبدأ بمطلب خدمي أو اقتصادي محدود ثم يتوسع وفق تطورات الوضع.
ثانياً: إنهاك اجتماعي طويل
السيناريو الآخر يتمثل في أن يؤدي استمرار الحرب والفقر والنزوح إلى إنهاك المجتمع بدلاً من دفعه إلى الاحتجاج.
وفي هذه الحالة، ينشغل المواطن بتوفير الطعام والدواء والسكن، ويعتمد بصورة أكبر على الأسرة والتحويلات والمساعدات الإنسانية وشبكات التكافل.
وقد يؤدي ذلك إلى مجتمع أكثر فقراً وأقل قدرة على التنظيم والاحتجاج.
ثالثاً: انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر فوضوية
السيناريو الأكثر تعقيداً هو اجتماع الانهيار الاقتصادي مع استمرار الحرب وتراجع قدرة مؤسسات الدولة.
عندها قد تتداخل الاحتجاجات المعيشية مع النزاعات المحلية والجريمة والاقتصاد غير الرسمي والصراع على الموارد.
وهنا لا يصبح السؤال فقط عن إسقاط حكومة أو تغيير سياسي، وإنما عن قدرة الدولة والمجتمع على منع الانهيار الكامل لمؤسسات الحياة اليومية.
بين سراب ديسمبر وخطر الفوضى
ربط الأزمة الحالية مباشرة بثورة ديسمبر 2018 قد يكون جذاباً من الناحية السياسية والإعلامية، لكنه لا يعكس بالضرورة تعقيدات المشهد الحالي.
السودان اليوم ليس السودان الذي خرج إلى الشوارع في 2018.
فالحرب أعادت تشكيل الاقتصاد، والجغرافيا السكانية، وموازين القوى، وشبكات المجتمع المدني، وحتى أولويات المواطن نفسه.
لذلك، فإن السؤال الأكثر أهمية ليس:
هل سيخرج السودانيون في «ديسمبر جديد»؟
بل:
إلى أي حد يمكن أن يتحمل المجتمع استمرار الانهيار الاقتصادي قبل أن تتحول أزمة المعيشة إلى أزمة اجتماعية وسياسية وأمنية أوسع؟
الخلاصة
السودان يواجه اليوم أزمة تتجاوز سعر الصرف والتضخم.
إنها أزمة مركبة تجمع بين الحرب، وتراجع الإنتاج، وانهيار العملة، وتقلص الإيرادات، واتساع الاقتصاد غير الرسمي، وتدهور الخدمات، والنزوح واللجوء.
وفي ظل هذه المعادلة، فإن استمرار الحرب يعني استمرار استنزاف الاقتصاد، بينما يؤدي استمرار الانهيار الاقتصادي إلى زيادة تكلفة الحرب على المجتمع.
وقد لا تأتي لحظة الانفجار المقبلة في صورة ثورة منظمة كتلك التي شهدها السودان في ديسمبر 2018، كما أنها قد لا تأتي أصلاً في صورة احتجاج واسع.
قد تكون الأخطر هي حالة أخرى أكثر هدوءاً وأطول زمناً: مجتمع يزداد فقراً، ودولة تتراجع قدرتها على تقديم الخدمات، واقتصاد تتحول فيه الحرب من حالة طارئة إلى نمط دائم للحياة.
وعندها، لن يكون الخطر في انهيار الجنيه وحده، وإنما في أن يصبح اقتصاد الحرب هو الاقتصاد الطبيعي للسودان، وأن تتحول الفوضى من نتيجة للحرب إلى بيئة تستمر الحرب في إنتاجها وإعادة إنتاجها.
