منتدى التحول المدني: حماية المعلمين شرط لإعادة بناء الدولة السودانية
الخرطوم – الحقيقة 24
دعا منتدى التحول المدني والدستوري في السودان (CCF–SD) إلى حماية المعلمين والمعلمات وضمان صرف مستحقاتهم دون تمييز جغرافي أو سياسي، محذراً من أن استمرار تدهور أوضاع العاملين في التعليم يهدد مستقبل العملية التعليمية ويعمّق أزمة الدولة السودانية، وذلك بالتزامن مع اليوم العالمي للمعلمين الذي يصادف الخامس من أكتوبر.
وقال المنتدى، في بيان بمناسبة المناسبة، إن اليوم العالمي للمعلمين هذا العام يكتسب أهمية خاصة لتزامنه مع مرور 60 عاماً على توصية منظمة اليونسكو ومنظمة العمل الدولية لعام 1966 بشأن أوضاع المدرسين، مشيراً إلى أن المناسبة تمثل فرصة لمساءلة واقع المعلمين السودانيين بعد أكثر من ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023.
وأوضح المنتدى أن المعلمين والمعلمات يواجهون، إلى جانب مخاطر الحرب والنزوح وفقدان المنازل والمدارس، أزمة اقتصادية ومهنية تتمثل في انقطاع الرواتب وتأخر المستحقات وتآكل القيمة الحقيقية للأجور، فضلاً عن تعرض المؤسسات التعليمية للهجمات واستخدام بعضها كمراكز إيواء للنازحين.
وأشار البيان إلى أن أكثر من 8 ملايين طفل في سن الدراسة ما يزالون خارج المدارس، وفق ما أورده المنتدى نقلاً عن بيانات اليونيسف، فيما لم تتجاوز نسبة المدارس العاملة 63% حتى منتصف عام 2026، بينما ظلت 81% من مدارس دارفور مغلقة.
وأضاف أن عدم دفع رواتب المعلمين لفترات طويلة يؤثر على أكثر من نصف القوى العاملة التعليمية، بما يعرقل جهود استعادة العملية التعليمية، لافتاً إلى أن آلاف المعلمين اضطروا إلى النزوح أو اللجوء أو العمل في مهن أخرى لا تمت بصلة إلى تخصصاتهم لإعالة أسرهم.
الراتب ليس أداة للعقاب السياسي
ورفض المنتدى ربط صرف رواتب المعلمين والعاملين في الخدمة العامة بمناطق السيطرة العسكرية، معتبراً أن المرتب «استحقاق وظيفي وحق مالي» لا ينبغي أن يتحول إلى أداة للعقاب السياسي أو الجغرافي.
وقال إن آلاف المعلمين في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع ظلوا، وفق ما أورده البيان، محرومين من رواتبهم من السلطات المركزية في بورتسودان، بينما عمل بعضهم بصورة تطوعية لفترات طويلة.
كما أشار المنتدى إلى مزاعم رفعتها جهات نقابية أمام لجنة الخبراء التابعة لمنظمة العمل الدولية بشأن توجيهات صدرت في يناير 2025 لتعليق رواتب موظفين عموميين على خلفية اتهامات مرتبطة بدعم قوات الدعم السريع، إلى جانب حالات فصل وتعليق واسعة.
وشدد المنتدى على أن أي اتهام فردي ينبغي أن يخضع لإجراءات قانونية مستقلة، مؤكداً رفضه معاقبة الموظف أو حرمانه من حقوقه الوظيفية لمجرد وجوده في منطقة تغيرت السيطرة عليها عسكرياً.
وفي المقابل، أكد المنتدى أن أزمة المعلمين لا تقتصر على المناطق الخاضعة لسيطرة الدعم السريع، مشيراً إلى أن العاملين في مناطق سيطرة الجيش يواجهون هم أيضاً تأخراً في صرف المرتبات وتعليقاً للعلاوات والبدلات والحوافز والمنح، فضلاً عن مشكلات مرتبطة بالمعاشات ومكافآت نهاية الخدمة.
ونقل البيان عن لجنة المعلمين السودانيين، في سبتمبر 2026، أن مرتبات المعلمين تتراوح بين نحو 80 ألفاً و220 ألف جنيه سوداني، مع متأخرات لمعلمي وعاملي التعليم في الخرطوم بلغت عشرة أشهر، إلى جانب علاوات وبدلات ومنح مستحقة منذ بداية الحرب.
كما أشار إلى دراسة للجنة قدرت أن متوسط راتب المعلم لا يغطي سوى نحو 3% من الاحتياجات الأساسية لأسرة مكونة من خمسة أفراد، إضافة إلى إعلان اللجنة في سبتمبر عن إيقاف رواتب نحو 40 معلماً في شمال كردفان، مطالبة بالكشف عن الأساس القانوني للقرار وضمان حق المتضررين في الاعتراض.
المعلمات يواجهن كلفة مضاعفة
وأولى المنتدى اهتماماً خاصاً بأوضاع المعلمات السودانيات، مشيراً إلى أن انهيار الأجور والنزوح وفقدان الوظائف يضاف إليها في كثير من الحالات تحمل مسؤوليات إعالة الأسرة ورعاية الأطفال وكبار السن، فضلاً عن مخاطر العنف والتحرش وصعوبة الحركة وانعدام السكن الآمن في مناطق النزوح واللجوء.
وحذر من أن خروج المعلمات من المهنة يمثل خسارة تتجاوز النقص في أعداد الكادر التعليمي، لما لذلك من تأثير مباشر على تعليم الفتيات وسلامة البيئة المدرسية وقدرة المجتمعات على استعادة التعليم بعد الحرب.
ودعا إلى تضمين أي خطة لإعادة بناء التعليم برنامجاً خاصاً لاستعادة المعلمات إلى المهنة وحمايتهن اقتصادياً واجتماعياً ومهنياً.
التعليم جزء من إعادة بناء الدولة
ورأى المنتدى أن إعادة فتح المدارس بعد الحرب لا ينبغي أن تقتصر على إعادة تأهيل المباني، وإنما يجب أن ترتبط بسؤال أوسع يتعلق بنوع الدولة التي سيجري بناؤها عبر النظام التعليمي.
وأكد أن المعلم سيكون، في مرحلة ما بعد الحرب، جزءاً من عملية إعادة بناء الإنسان السوداني، خاصة مع وجود أجيال من الأطفال عاشت القصف والنزوح والفقد، وانقطعت عن التعليم لسنوات.
واعتبر المنتدى أن المعلم يمثل أحد عناصر بناء السلام، داعياً إلى التعامل مع الاستثمار في التعليم والمعلمين باعتباره جزءاً من جهود منع تكرار النزاع وتعزيز التعايش والمواطنة.
12 مطلباً لإصلاح أوضاع المعلمين والتعليم
وطرح المنتدى ما وصفه بـ«عقد وطني جديد» لمهنة التعليم، يتضمن 12 أولوية، أبرزها فك الارتباط بين صرف الراتب وموقع سيطرة الموظف، وإجراء حصر قومي شفاف لمتأخرات المرتبات منذ أبريل 2023، ووضع جدول زمني معلن لسدادها.
كما دعا إلى إعادة احتساب العلاوات والبدلات والحوافز والمنح المتأخرة، وحماية حقوق التقاعد ومكافآت نهاية الخدمة، وإعادة بناء هيكل أجور المعلمين على أساس تكلفة المعيشة.
وطالب أيضاً بإنشاء صندوق وطني طارئ لاستعادة التعليم وحماية المعلمين، وإطلاق برنامج لعودة المعلمين والمعلمات النازحين واللاجئين إلى المهنة، وحماية المدارس والعاملين بالتعليم من جميع أطراف النزاع، والتحقيق في الهجمات على المنشآت التعليمية.
وشملت المطالب إشراك المعلمين ونقاباتهم ولجانهم المهنية في صناعة السياسات التعليمية، وإنشاء نظام وطني موحد للتعليم والامتحانات والشهادات، والاستثمار في الصحة النفسية للمعلمين وتأهيلهم للتعامل مع الأطفال المتأثرين بالحرب، إلى جانب تحقيق تحول رقمي عادل لا يجعل التقنية بديلاً عن المعلم أو سبباً لتعميق الفجوة التعليمية.
تحذير من انقسام التعليم
وحذر المنتدى من تحول الانقسام العسكري الحالي إلى انقسام مؤسسي دائم في التعليم، عبر نشوء مناهج وشهادات وأنظمة تعيين وأجور ومؤسسات تعليمية منفصلة وفق خطوط السيطرة العسكرية.
واعتبر أن استمرار هذا المسار قد يؤدي إلى انقسام وظيفي للدولة يسبق التقسيم السياسي الرسمي، مشدداً على أن الحفاظ على وحدة النظام التعليمي يجب أن يكون جزءاً من أجندة الحفاظ على وحدة السودان.
وأشار إلى أن أزمة الامتحانات وصعوبة الوصول إليها في دارفور وكردفان، إلى جانب استمرار وجود ملايين الأطفال خارج المدارس، تكشف مخاطر هذا المسار.
تحذير من تداعيات طويلة المدى
وحذر المنتدى من أن استمرار تدهور أوضاع المعلمين سيؤدي خلال السنوات المقبلة إلى نقص الكفاءات وهجرة المعلمين ذوي الخبرة، وانخفاض جودة التعليم، واتساع أعداد الأطفال خارج المدارس، وزيادة الفوارق بين الأقاليم.
كما توقع أن يؤدي انهيار التعليم العام إلى اتساع التعليم الخاص لمن يستطيع تحمل تكلفته، بما قد يحول التعليم تدريجياً من حق للمواطن إلى خدمة تحددها القدرة المالية والموقع الجغرافي.
وأكد المنتدى أن راتب المعلم «ليس تكلفة ينبغي تقليلها»، وإنما استثمار في رأس المال البشري واستقرار الدولة وقدرتها على التعافي، محذراً من أن إعادة إعمار تركز على الطرق والمطارات والمباني وتتأخر في إعادة بناء التعليم ستعيد بناء الحجر دون الإنسان القادر على إدارة مؤسسات الدولة.
وفي ختام بيانه، دعا المنتدى أطراف الصراع والسلطات القائمة في مناطق السيطرة المختلفة إلى عدم تحويل المعلم إلى «رهينة للحرب»، وعدم استخدام المرتب أداة للعقاب، وعدم تحويل المدارس إلى ساحات للصراع، أو تقسيم مستقبل الأطفال وفق خطوط السيطرة العسكرية.
وقال المنتدى إن إنقاذ المعلم «ليس مطلباً نقابياً قطاعياً»، بل جزء من إنقاذ الدولة السودانية نفسها، مؤكداً أن أحد أهم مؤشرات تعافي السودان بعد الحرب سيكون عودة الأطفال إلى المدارس وعودة المعلمين إلى فصولهم بصورة آمنة وكريمة وبأجور تضمن لهم حياة لائقة.
