الخماسية في السودان.. هل تتحول مشاورات السلام إلى خطوات لإنهاء الحرب؟
تقرير: الحقيقة 24 | 15 أكتوبر 2026
تتواصل التحركات السياسية والدبلوماسية الرامية إلى إنهاء الحرب في السودان، وسط مساعٍ لتنسيق المبادرات الإقليمية والدولية وبناء مسار سياسي أوسع لإنهاء القتال. لكن، رغم تعدد الاجتماعات والمشاورات، لا تزال أسئلة جوهرية مطروحة بشأن قدرة هذه التحركات على تجاوز الخلافات السياسية، وتوحيد جهود الوساطة، وتحويل الدعوات إلى السلام إلى خطوات عملية تنهي معاناة السودانيين.
وتواجه الآلية الخماسية اختباراً يتجاوز مجرد جمع القوى السياسية والمدنية حول طاولة واحدة؛ إذ يرتبط نجاحها بقدرتها على معالجة التباينات بين المبادرات المطروحة، وتوفير ضمانات لمشاركة سودانية فاعلة، ودفع أطراف الحرب نحو التزامات واضحة بشأن وقف إطلاق النار وحماية المدنيين.
مشاورات أديس أبابا.. توافق على المبادئ واختلاف حول المسار
شهدت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، في 12 أكتوبر الجاري، اجتماعاً بين الآلية الخماسية ووفد من القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب، التي تصف نفسها بأنها غير مصطفة مع أطراف النزاع، لبحث سبل إنهاء القتال وإطلاق عملية سلام بقيادة وملكية سودانيتين.
وضم الوفد ممثلين لقوى إعلان المبادئ السوداني، وحزب المؤتمر الشعبي، ومنظمات المجتمع المدني، والشبكات النسوية والشبابية، إلى جانب شخصيات عامة.
وأكدت القوى المشاركة ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية فورية وغير مشروطة، بما يتيح حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. كما طرحت رؤية لعملية سلام تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة: الاستجابة الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والحوار السياسي لمعالجة جذور الأزمة وإرساء سلام شامل وانتقال مدني ديمقراطي مستدام.
وشددت القوى المدنية على أهمية مشاركتها في تصميم العملية السياسية وقيادتها وفق معايير عادلة تحول دون هيمنة أي طرف، داعية إلى تنسيق جهود الوساطات الإقليمية والدولية ضمن إطار يشمل الرباعية والخماسية والترويكا.
كما طالبت بتوسيع نطاق حظر السلاح ليشمل كامل السودان، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات والفظائع، مع رفض إضفاء الشرعية على سلطات الأمر الواقع التي أفرزها النزاع.
غير أن طرح هذه المطالب لا يعني بالضرورة تبني الآلية الخماسية لها أو الاتفاق على آليات تنفيذها؛ وهو ما يجعل من الضروري التمييز بين مواقف القوى المشاركة والنتائج الفعلية التي أفضت إليها المشاورات.
دعم سياسي ومطالب بتسريع العملية
رحب حزب الأمة القومي بنتائج الاجتماع، داعياً الآلية الخماسية إلى تسريع المشاورات المتعلقة بتصميم عملية سياسية شاملة تستند إلى رؤية مدنية مشتركة، وتنهي الحرب، وتمهد لاستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي.
وحذر الحزب من استمرار التدهور الإنساني والاقتصادي، وتصاعد العمليات العسكرية والعنف وخطابات الكراهية، مطالباً المجتمع الدولي بتكثيف الاستجابة الإنسانية.
وفي السياق ذاته، قال المتحدث باسم التحالف الوطني السوداني، شهاب إبراهيم، لمنصة «صحيح السودان»، إن الاجتماع ناقش رؤية القوى المناهضة للحرب والإجراءات الممكنة لإطلاق حوار سياسي، إلى جانب آليات الربط بين مبادرتي الرباعية والخماسية في مسارات وقف إطلاق النار، وفتح المسارات الإنسانية، ودفع العملية السياسية.
وفي تحرك موازٍ، أعلن مكتب العلاقات الخارجية لتحالف قوى التغيير الجذري، في تصريح صحفي بتاريخ 15 أكتوبر، استمرار التواصل مع ممثلي الآلية الخماسية، والاتفاق على عقد اجتماع متابعة خلال الفترة المقبلة، إلى جانب الترتيب للقاء بين ممثلي التحالف واللجنة الفنية التابعة للمجموعة.
وأكد التحالف أن الحل الشامل يبدأ بوقف الحرب وتأمين الممرات الإنسانية، وصولاً إلى عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتؤسس لحكم مدني ديمقراطي.
وتعكس هذه المواقف تقاطعاً حول أولوية إنهاء الحرب، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود توافق سياسي شامل؛ فالاتفاق على المبادئ العامة يظل مختلفاً عن الاتفاق على قواعد المشاركة، وترتيبات وقف القتال، والضمانات المطلوبة لتنفيذ أي تسوية.
اعتذار «تأسيس» يعيد إشكالية المشاركة إلى الواجهة
في المقابل، اعتذر تحالف السودان التأسيسي «تأسيس» عن المشاركة في اجتماع أديس أبابا، وطلب تأجيله إلى الشهر المقبل بسبب ترتيبات داخلية، وفق ما نقلته صحيفة «صوت الأمة» عن مصدر مطلع.
ويثير هذا التطور تساؤلات بشأن قدرة الآلية الخماسية على استيعاب التباينات بين القوى السياسية السودانية، ومدى استعداد الأطراف المختلفة للمشاركة في عملية سياسية واحدة.
فنجاح أي مسار تفاوضي لا يتوقف فقط على عدد القوى المشاركة فيه، بل يعتمد أيضاً على وضوح معايير المشاركة، وطبيعة القضايا المطروحة، والضمانات التي تحول دون احتكار أي طرف للعملية السياسية أو استخدامها لتعزيز موقعه التفاوضي.
ومع ذلك، فإن غياب بعض القوى عن اجتماع بعينه لا يكفي وحده للحكم على فشل المسار؛ إذ يتطلب تقييم فرص التسوية معرفة أسباب الغياب، وشروط المشاركة، ومدى استعداد الأطراف للانخراط في المشاورات اللاحقة.
الخماسية أمام اختبار النتائج
لا يقتصر التحدي أمام الآلية الخماسية على جمع المبادرات أو مواصلة المشاورات، بل يتمثل في قدرتها على بناء إطار تنسيقي واضح يربط بين المسارات الإنسانية والعسكرية والسياسية، ويحدد مسؤوليات الأطراف، ويضع آليات لمتابعة تنفيذ التفاهمات.
ويبرز هنا سؤال جوهري: هل تستطيع الآلية الانتقال من إدارة المشاورات إلى ممارسة ضغط دبلوماسي مؤثر على أطراف الحرب، أم ستظل جهودها محصورة في تقريب وجهات النظر من دون ضمانات كافية لتحويل التفاهمات إلى التزامات عملية؟
ولا يمكن قياس نجاح الوساطة بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنها، بل بمدى ما تحققه على الأرض من تقدم في حماية المدنيين، وتسهيل وصول المساعدات، ووقف استهداف المناطق المأهولة، وتهيئة الظروف لعملية سياسية ذات مصداقية.
كما أن الدعوة إلى توحيد المبادرات الإقليمية والدولية تحتاج إلى ترجمة عملية، تشمل تحديد آليات التنسيق، وتوزيع الأدوار، وتوضيح الجهة المسؤولة عن التواصل مع أطراف الحرب، ووضع مؤشرات يمكن من خلالها تقييم مدى التقدم أو التعثر.
ومن دون هذه العناصر، قد يتحول تعدد المنابر إلى عبء إضافي على عملية السلام، بدلاً من أن يكون وسيلة لتوسيع فرص التسوية وتوحيد الضغوط الدبلوماسية.
مسؤولية القوى السودانية
لا تقع مسؤولية نجاح المسار السياسي على الوسطاء وحدهم؛ إذ تتحمل القوى السودانية المناهضة للحرب مسؤولية تجاوز الخلافات التنظيمية والحسابات المتعلقة بالتمثيل والنفوذ، والعمل على بناء أرضية مشتركة تضع وقف القتال وحماية المدنيين في مقدمة الأولويات.
لكن تحقيق هذا الهدف يتطلب أيضاً الاعتراف بالتباينات الحقيقية بين القوى السياسية والمدنية، وعدم التعامل مع الاختلافات باعتبارها مجرد خلافات شكلية يمكن تجاوزها بالبيانات المشتركة.
فالعملية السياسية القابلة للاستمرار تحتاج إلى قواعد واضحة للمشاركة، وضمانات تمنع الإقصاء والهيمنة، ومسار يعالج جذور الأزمة ولا يقتصر على ترتيب تقاسم السلطة بعد الحرب.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي أن يصبح الحوار السياسي بديلاً عن الاستجابة الإنسانية العاجلة، أو شرطاً مسبقاً لحماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات. فهذه التزامات لا تحتمل انتظار اكتمال التوافقات السياسية.
من تعدد المبادرات إلى وقف الحرب
بعد سنوات من القتال والدمار والنزوح والانهيار الإنساني، لم يعد السودانيون بحاجة إلى مبادرة جديدة تضاف إلى قائمة المبادرات القائمة بقدر حاجتهم إلى نتائج ملموسة تنعكس على حياتهم اليومية.
ويظل وقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، من أبرز الاختبارات التي ستحدد مدى جدية أي مسار سياسي.
كما أن توحيد جهود الوساطة لن يحقق أهدافه ما لم يقترن بجدول زمني واضح، وضمانات قابلة للتحقق، وآليات لمراقبة الالتزام، وخطوات عملية للتعامل مع الخروقات.
وتبقى الأسئلة المطروحة أمام الآلية الخماسية والقوى السودانية واضحة: هل تنجح المشاورات الجارية في إنتاج مسار موحد يتجاوز الخلافات ويضع استحقاقات محددة على أطراف الحرب؟ وهل تتحول الدعوات إلى السلام إلى خطوات يمكن قياس نتائجها ومساءلة المسؤولين عن تنفيذها؟
الإجابة لن تتحدد بالتصريحات وحدها، بل بما ستسفر عنه التحركات المقبلة من التزامات فعلية. فنجاح الوساطة لا يُقاس بقدرتها على جمع الأطراف حول الطاولة فحسب، وإنما بقدرتها على تقريب البلاد من وقف الحرب، وحماية المدنيين، وفتح الطريق أمام سلام مستدام وانتقال مدني ديمقراطي.
