برلين – الحقيقة 24
بينما تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو العاصمة الألمانية برلين في الخامس عشر من أبريل الجاري، حيث تنطلق فعاليات “مؤتمر برلين الدولي الثالث حول السودان”، تسود حالة من الهياج السياسي والتحشيد الإعلامي داخل أروقة السلطة في بورتسودان. هذا الرفض الرسمي القاطع، الذي يرتدي ثوب “السيادة الوطنية”، يخفي خلفه كواليس معقدة وصراعاً وجودياً تقوده “الحركة الإسلامية” لمنع أي اختراق دولي قد يضع حداً للحرب خارج إرادة “معسكر الاستمرار”.
ورقة “السيادة”.. حق أريد به باطل
يرى مراقبون أن ذريعة “السيادة” التي ترفعها حكومة بورتسودان ليست سوى “درع دبلوماسي” لتغطية مخاوف سياسية عميقة. فالسلطة التي ترفض “برلين” اليوم هي ذاتها التي شاركت في “منبر جدة” ووقعت اتفاقيات “إطارية” و”نهائية” برعاية دولية وإقليمية على مر العقود.
لماذا الآن؟ الحقيقة هي أن مؤتمر برلين يمثل “تجمعاً نوعياً” لأكثر من 25 وزير خارجية وضغوطاً دولية غير مسبوقة تهدف إلى فرض “وقف إطلاق نار” تحت رقابة دولية، وهو ما يراه تيار الحرب داخل الحركة الإسلامية تقويضاً لخطط “الحسم العسكري” التي لم تتحقق بعد عام من النزاع.
ثلاث ركائز لمخاوف “الإسلاميين” من برلين:
كسر احتكار “تمثيل الدولة”
يخشى معسكر بورتسودان أن المؤتمر، بدعوته للقوى المدنية (مثل تحالف صمود وغيرها)، يعيد الاعتبار لـ “الشرعية المدنية” التي سعت الحركة الإسلامية لدفنها منذ انقلاب 25 أكتوبر. برلين تقول بوضوح: “الجيش والدعم السريع طرفا نزاع، وليسوا هم مستقبل السودان السياسي”.
المساعدات الإنسانية: سحب بساط “الابتزاز”
يتبنى مؤتمر برلين استراتيجية وصول المساعدات عبر مسارات بديلة لا تمر بالضرورة عبر بيروقراطية بورتسودان. هذا التوجه يسلب السلطة أهم أوراق الضغط التي تستخدمها لتجويع مناطق الخصوم أو ابتزاز المجتمع الدولي للحصول على اعتراف سياسي مقابل “تأشيرات الإغاثة”.
شبح “المحاسبة الدولية”
بمشاركة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، يضع المؤتمر ملف “جرائم الحرب” على الطاولة. قادة الحركة الإسلامية الذين يديرون المشهد من خلف الستار يدركون أن أي “تسوية” ناتجة عن ضغط دولي ستتضمن آليات لمحاسبة المطلوبين دولياً وداخلياً، مما يجعل استمرار الحرب بالنسبة لهم “خياراً وحيداً” للنجاة.
التناقض الفاضح: هل السيادة أغلى من حياة 30 مليون؟
في وقت تشير فيه تقارير الأمم المتحدة إلى أن السودان يعيش “أكبر أزمة نزوح في العالم” بوجود 13 مليون نازح، يبدو خطاب سلطة بورتسودان متصادماً مع الواقع الأخلاقي. فبينما يبحث العالم عن وسيلة لإيصال الغذاء، تنشغل المنصات الإعلامية التابعة للحركة الإسلامية بشيطنة المؤتمر ووصفه بـ “الاستعماري”، في مفارقة تعكس تقديم “سلامة التنظيم” على “بقاء الشعب”.
إن الهجوم العنيف على مؤتمر برلين لا يتعلق بـ “كرامة الدولة” كما يروج إعلام السلطة، بل هو محاولة أخيرة من “معسكر الحرب” لعرقلة أي مسار يقود إلى:
وقف القتال فوراً.
إبعاد العسكر والإسلاميين عن الحكم.
إعادة السلطة للمدنيين.
يبقى السؤال الأهم الذي يواجه المواطن السوداني اليوم: من يخشى برلين.. هل هو الشعب الذي ينتظر الإغاثة، أم السلطة التي تخشى فقدان السيطرة؟
