خاص – الحقيقة 24

 

​في مشهد لم تخطئه عين المراقبين السياسيين، حملت الساعات القليلة التي قضاها الفريق أول عبد الفتاح البرهان في العاصمة الإماراتية أبوظبي، دلالات تتجاوز حدود “الزيارة الدبلوماسية” لتصل إلى مستوى “إعادة الهيكلة الشاملة” لموازين القوى في السودان.

​لم تكن “السرية” هي العنوان الوحيد، بل كان “الاستغناء” هو الرسالة الأقوى التي أُرسلت إلى الداخل السوداني، وتحديداً إلى مفاصل “الحركة الإسلامية” التي استشعرت خطراً داهماً من تحركات جرت بمعزل تام عن دوائر نفوذها التقليدية.

​تغيير الطائرة التي أقلت البرهان في رحلته من مسقط إلى أبوظبي لم يكن إجراءً تأمينياً روتينياً فحسب، بل كان إعلاناً عن “مسار خاص” بعيداً عن أعين الأجهزة الأمنية المرتبطة بالدولة العميقة. هذه الخطوة تعكس رغبة البرهان في التحرر من “الرقابة اللصيقة” التي يفرضها تغلغل عناصر الحركة الإسلامية في مفاصل الدولة، وبدء مرحلة التنسيق المباشر مع القوى الإقليمية الفاعلة (مصر، السعودية، الإمارات) لرسم خارطة طريق لا مكان فيها للأيديولوجيا المسلحة.

​تكشف المعطيات أن أحد الدوافع الرئيسية لهذا التحول الجذري هو بلوغ “الابتزاز الاقتصادي” مداه فقد رصدت تقارير استخباراتية عمليات ضخ لعملات مزورة استُخدمت لاستنزاف موارد البلاد من الذهب والمحاصيل الغذائية، وهي عمليات جرت تحت غطاء شبكات نفوذ أيديولوجية تسعى لتمويل أجندتها الخاصة على حساب استقرار الدولة.

هذا “الخناق الاقتصادي” دفع البرهان لإدراك أن استمرار التحالف مع هذه القوى يعني الانتحار السياسي والاقتصادي، مما جعل من ملف “تجفيف منابع التمويل” وتجريم شبكات النفوذ المالي للحركة الإسلامية أولوية قصوى في مباحثات أبوظبي.

الملف الإيراني وتحدي “الشرعية الدولية”

​تدرك القيادة العسكرية في السودان أن ثمن التقارب مع “الحرس الثوري الإيراني” سيكون عزلة دولية خانقة، خاصة بعد تصنيف الإدارة الأمريكية لكيانات مرتبطة بالحركة الإسلامية كمنظمات إرهابية. زيارة الإمارات جاءت لتعيد السودان إلى “محور الاعتدال العربي”، ولقطع الطريق أمام أي ارتباطات عسكرية أو استخباراتية قد تجعل من السودان ساحة لتصفية حسابات إقليمية كبرى، مقابل الحصول على دعم عسكري ولوجستي “نظيف” يضمن حسم المعركة دون رهن سيادة البلاد لمحاور أيديولوجية.

​كل المؤشرات تشير إلى أننا أمام بداية “العد التنازلي” لنفوذ “الكيزان”. فالتقارب مع الإمارات يرتكز على مقايضة واضحة:

​من الجانب الإماراتي: دعم اقتصادي، سياسي، وإنساني مكثف، ووساطة دولية لرفع العزلة.

​من جانب البرهان: فك ارتباط بنيوي وشامل مع الحركة الإسلامية، وتفكيك شبكاتها داخل الجيش والأمن، والتوجه نحو حل سلمي يستند إلى “دولة وطنية” لا تخضع للأجندات الحزبية.

​يقف البرهان اليوم في منطقة “لا عودة”. فالسرية التي غلفت الزيارة والنتائج التي بدأت تتسرب عنها تضعه في مواجهة مباشرة مع “الدولة العميقة”. نجاح هذا التحول يعتمد على قدرته على حسم ملفات “العملة، السلاح، والإمداد” بسرعة فائقة، قبل أن تتحرك الخلايا النائمة لتعطيل هذا المسار.

​السودان أمام خريطة نفوذ جديدة تُرسَم خيوطها الآن بين الخرطوم وأبوظبي، والضحية الأكبر فيها هي “الأيديولوجيا” التي أثقلت كاهل البلاد لثلاثة عقود

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *