أحمد عبد الوهاب
اسئله تحتاج للإجابة
كلُّ الحروب في العالم، مهما بلغت قسوتها، تسعى إلى أن تجد لنفسها مبرراتٍ وأسبابًا واضحة تمنحها قدرًا من المشروعية؛ قد تكون هذه المبررات سياسية، أو وطنية، أو عقائدية، أو حتى دفاعًا عن الأرض والهوية. غير أنّ ما يجري في السودان يضع المواطن أمام حربٍ تبدو بلا قضية حقيقية، سوى صراع الطموحات وتنازع المصالح الشخصية.
لقد برزت أسماء مثل النور القبة، والسافنا، وقبلهم بقال، كقيادات ضمن قوات الدعم السريع خلال حرب الخامس عشر من أبريل. شاركوا في المعارك، ورفعوا شعارات محاربة “دولة 56” و”الفلول” و”الكيزان”، وقدّموا أنفسهم بوصفهم حملة مشروعٍ جديدٍ للسودان.
غير أنّ تلك المرحلة اقترنت في وعي المواطن السوداني بمآسٍ جسام: قتلٍ، ونهبٍ، وتدميرٍ للبنية التحتية، وتشريدٍ للمدنيين، وانهيارٍ لمؤسسات الدولة.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: من أجل ماذا كان كل ذلك؟
ما القضية التي حُمِل السلاح من أجلها؟
وما الذي تغيّر حتى يترك هؤلاء قوات الدعم السريع وينضموا إلى الجيش الذي كانوا يقاتلونه بالأمس؟
إذا كانوا يحاربون “دولة 56”، فهل انتهت هذه الدولة اليوم؟
وإذا كانوا ينادون بالديمقراطية، فهل تتحقق الديمقراطية على وقع الرصاص وداخل بيوت المدنيين؟
وإذا كانوا يرون في الجيش تمثيلًا للفلول والكيزان، فكيف أصبح الانضمام إليه الآن أمرًا مقبولًا ومشروعًا؟
من حق المواطن السوداني أن يسأل:
لماذا خرجتم من “حضن الوطن” ابتداءً؟
وما الذي دفعكم إلى العودة إليه اليوم؟
إن الانتقال من معسكرٍ إلى آخر، دون توضيحٍ أو مراجعةٍ فكرية، ودون اعترافٍ صريحٍ بالأخطاء، يجعل هذه الحرب تبدو وكأنها مجرد لعبة مصالح، يتنقّل فيها البعض بين المواقع وفقًا لموازين القوة أو حجم المكاسب.
ثم كيف يستقيم الحديث عن “حرب كرامة”، في الوقت الذي يُعاد فيه احتضان شخصياتٍ كانت، حتى وقتٍ قريب، تُقدَّم بوصفها جزءًا من العدو نفسه؟
أليس هؤلاء هم من وُصفوا سابقًا بالمرتزقة؟
أليسوا هم من قيل إن الحرب قامت ضدهم دفاعًا عن كرامة الدولة والشعب؟
أليس بقال هو من ظهر داخل منزل ياسر العطا، وأثار التصريحات المثيرة للجدل بشأن استهداف الأحياء؟
أليس النور القبة ممن ارتبطت أسماؤهم بمعارك الفاشر وسقوط المدنيين؟
أليس السافنا من أبرز قادة الدعم السريع في أم درمان، لا سيما في معارك سلاح المهندسين؟
إذا كانت الحرب فعلًا حرب كرامة، فمن هو العدو الحقيقي إذن؟
وكيف يتحول من كان يُقاتَل بالأمس إلى حليفٍ اليوم؟
إن على السودانيين أن يدركوا أنّ هذه الحرب، مهما تعددت الشعارات المرفوعة حولها، لم تكن حرب كرامة ولا حرب ديمقراطية، صراعًا على النفوذ والمصالح بين قياداتٍ سياسيةٍ وعسكرية، بينما يظل المواطن البسيط هو الخاسر الأكبر فيها.
