بقلم: النور آدم سلمان

 

في الحروب التقليدية، تخرج الدولة من النزاع إما منتصرة أو منهكة، لكنها غالباً تبقى “دولة”. أما في السودان، فالمشهد يبدو أكثر تعقيداً؛ إذ لم تعد الحرب مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، بل تحولت تدريجياً إلى عملية تفكيك بطيئة لمفهوم الدولة نفسها، عبر التوسع غير المسبوق في صناعة المليشيات.

اليوم، لا يعيش السودان فقط أزمة حرب، بل أزمة “تمليش شامل”.

السلاح لم يعد حكراً على الجيش أو الحركات الكبرى، بل أصبح لغة يومية ومصدراً للنفوذ والشرعية وحتى الرزق. ومع استمرار الحرب، تحولت المليشيات من أدوات مساندة إلى مراكز قوة مستقلة تمتلك المال والرجال والإعلام والأرض.

وفق تقديرات متقاطعة، يضم السودان حالياً أكثر من مائة تشكيل مسلح، بينها عشرات المجموعات التي ظهرت بعد اندلاع حرب أبريل 2023. بعض هذه الكيانات يحمل لافتات سياسية أو جهوية أو قبلية، وبعضها لا يملك سوى اسم وصفحة فيسبوك وسلاح متوسط، لكنه يدرك جيداً أن “البندقية” أصبحت أسرع طريق إلى الاعتراف.

الخطير في الأمر أن الحرب لم تخلق فقط مليشيات جديدة، بل أعادت تشكيل العقل السياسي والاجتماعي للسودانيين.

في مناطق واسعة من البلاد، لم يعد المواطن يثق في الدولة كضامن للحماية، بل أصبح يبحث عن قبيلته أو منطقته أو مجموعته المسلحة الخاصة. وهنا تحديداً تبدأ الدولة في التآكل.

في العلوم السياسية، تقوم الدولة الحديثة على مبدأ أساسي: احتكار العنف المشروع. لكن ما يحدث في السودان اليوم هو العكس تماماً؛ إذ تتوزع القوة بين عشرات المجموعات المسلحة، بينما تتحول السلطة المركزية نفسها إلى طرف يبحث عن تحالفات ميدانية لضمان البقاء.

ربما يحقق هذا الواقع مكاسب عسكرية عاجلة، لكنه يخلق في المقابل كارثة استراتيجية طويلة المدى. فالمليشيا التي تحمل السلاح اليوم تحت شعار “المعركة الوطنية” قد تتحول غداً إلى سلطة مستقلة تطالب بنصيبها من الأرض والثروة والنفوذ.

التجارب الإفريقية والعربية مليئة بالنماذج المشابهة.

في ليبيا، انتهت الحرب بسقوط النظام، لكن الدولة لم تستطع استعادة السلاح. وفي الصومال، تحولت المليشيات إلى سلطات أمر واقع. أما في السودان، فإن الخطر يبدو أكبر بسبب الطبيعة القبلية والجهوية المعقدة للصراع.

الأخطر من كل ذلك هو “اقتصاد الحرب”.

فكثير من المجموعات المسلحة لم تعد تقاتل فقط من أجل شعارات سياسية، بل أصبحت مرتبطة بمصالح اقتصادية ضخمة تشمل التعدين والتهريب والجبايات وتأمين طرق التجارة. وهذا يعني أن الحرب نفسها أصبحت مصدر دخل ونفوذ لآلاف الأشخاص، ما يجعل إنهاءها أكثر صعوبة.

ثم تأتي المعضلة الكبرى: ماذا بعد الحرب؟

كيف يمكن إقناع عشرات الآلاف من المقاتلين بتسليم أسلحتهم والعودة إلى الحياة المدنية؟

كيف يمكن تفكيك مليشيات أصبحت تملك نفوذاً اجتماعياً واقتصادياً وربما شعبية محلية؟

وكيف يمكن بناء جيش وطني موحد في بلد اعتاد فيه الجميع على حمل السلاح؟

حتى الآن، لا توجد إجابات واضحة.

ما يحدث في السودان ليس مجرد “فوضى أمنية” عابرة، بل تحول عميق في شكل الدولة والمجتمع. ومع كل يوم تستمر فيه الحرب، يصبح تفكيك هذا الواقع أكثر صعوبة وتعقيداً.

السودان لا يواجه فقط خطر الانقسام الجغرافي، بل خطر التحول إلى دولة متعددة الجيوش والسلطات، حيث تصبح الحدود بين الرسمي وغير الرسمي، وبين الدولة والمليشيا، شبه معدومة.

ولهذا، فإن أخطر ما أنتجته الحرب ربما ليس الدمار أو النزوح أو الانهيار الاقتصادي، بل هذا التحول الهادئ والخطير الذي جعل البندقية أقوى من القانون، والمليشيا أكثر حضوراً من الدولة نفسها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *