بقلم :عروة الصادق
زيارة كامل إدريس إلى الفاتيكان تحمل في جوهرها سعياً مكشوفاً نحو اكتساب شرعية أخلاقية و”صكوك غفران” دبلوماسية وإنسانية في لحظة اختناق سياسي حاد، أكثر من كونها مبادرة قادرة بذاتها على تبديل معادلة الحرب. الفاتيكان، وفق بيانه الصادر في 11 مايو 2026م عقب لقاء البابا ليو الرابع عشر مع كامل إدريس، أعاد تثبيت ثلاث أولويات محددة، وقف إطلاق النار، إيصال المساعدات، وفتح حوار صادق بين مكونات السودان، هذه الصياغة المحكمة المختصرة والمحددة تكشف أن الزيارة قُرئت داخل الفاتيكان من زاوية الحرب الإنسانية، بينما حاولت سلطة بورتسودان توظيفها كنافذة تلميع سياسي وصك قبول دولي في فضاء كاثوليكي يملك رصيداً أخلاقياً واسعاً، خاصة في أوروبا وأمريكا اللاتينية وأوساط المنظمات الكنسية والإغاثية التي تراقب فظائع الجماعات الأيدولوجية المتطرفة المخادمة لسلطة البرهان.
أما ما يتصل بالهدنة الإنسانية، فالأمر أوضح من أن يُغطى بديكور البروتوكول، لأن قرار الحرب والسلم في بورتسودان موزع بين بنية عسكرية متشددة وشبكات أيديولوجية دفعت البلاد إلى هذا المسار وكانت تنشد شعارات “رفع الآذان” في الفاتيكان، ولهذا فإن كامل إدريس يدخل مثل هذه اللقاءات بصفة واجهة سياسية أكثر من كونه صاحب تفويض سيادي كامل، والفاتيكان أعاد في بيانه عبارة “الحاجة العاجلة إلى وقف إطلاق النار”، وهذا بحد ذاته رسالة ضغط ناعمة، وقد تتوسع لاحقاً عبر الشركاء الأوروبيين والكنسيين والمؤسسات الإنسانية. جدوى الزيارة ستظل محدودة ما دام مركز القرار الفعلي مقيماً في معسكر يربط بقاءه بإطالة الحرب، وما دام السلام في نظر سلطة الأمر الواقع تكلفة سياسية أعلى من كلفة الاستنزاف الإنساني.
كما أن توقيت الزيارة شديد الحساسية، لأن الفاتيكان يتحرك الآن داخل ملف السودان من زاوية إنسانية متقدمة، فيما أوروبا رفعت منسوب الضغط السياسي بعد مؤتمر برلين في 15 أبريل 2026م، حيث شدد “خماسي السودان” على خفض العنف، حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات بصورة آمنة وسريعة، كما أكدت برلين مبادئ الحل السياسي ودفعت باتجاه مسار سوداني شامل لإنهاء الحرب، وفوق ذلك أيقن الجميع دوليا وإقليميا أن السودان تحول إلى “مختبر فظائع”، مع تصاعد أثر المسيّرات على المدنيين، وهناك تعهدات المانحين بما يقارب 1.8 مليار دولار من المساعدات والتي لن تمنح لحكومة كامل إدريس ما لم تذعن لخيار السلام، والرسالة هنا أن المجتمع الدولي صار يربط الممر الإنساني بالضغط السياسي، ويعتبر وقف النار المدخل الوحيد لفتح المسارات المالية والدبلوماسية.
في ما يخص الضغوط الأوروبية، فالاتجاه العام يميل بوضوح نحو تصعيد أدوات الإكراه السياسي، سواء عبر عقوبات إضافية أو عبر تضييق الحركة الدبلوماسية والمالية على الأطراف المعطلة. وقد تعذر عليّ توثيق زيارة وفد برلماني فرنسي إلى بورتسودان من المصادر المفتوحة التي راجعتها، غير أن هذا لا يغيّر جوهر المشهد، فالمواقف الأوروبية المعلنة منذ برلين ثم عبر بيانات الاتحاد الأوروبي اللاحقة تتحدث بلغة أكثر صرامة تجاه حماية المدنيين والممرات الإنسانية ووقف تدفق السلاح، وهذا يعني أن باب المواقف الإيجابية ما يزال مفتوحاً أمام سلطة الأمر الواقع، عبر مسار واحد معلوم، وقف الحرب والانخراط الجاد في تسوية سياسية، أما الإصرار على النهج العسكري فسيقود إلى تضييق أوسع، عزلة أعمق، وتعاظم مخاطر المساءلة والعقوبات والملاحقة الجنائية الدولية على الحلقة الضيقة المحيطة بالسلطة.
ويبقى الحكم النهائي أن زيارة الفاتيكان تمنح كامل إدريس صورة، وتمنح العالم اختباراً، وتمنح سلطة بورتسودان فرصة أخيرة لإثبات وجود إرادة سلام. فإن اختارت السلام انفتحت المغاليق الدولية تباعاً، وإن أصرت على الحرب فالمشهد يتجه نحو حصار سياسي متدرج، تجفيف مساحات المناورة، وتثبيت صورة السلطة بوصفها عقبة أمام الهدنة والمساعدات والتسوية معاً، وهذا هو الفارق بين من يذهب إلى الفاتيكان طالباً دعماً للسلام، ومن يذهب إليه طلباً لغطاء أخلاقي لا تسنده أفعال على الأرض.
