المبادرات الدولية والفجوة بين وقف إطلاق النار والسلام المستدام.

عبدالجليل الباشا محمد

11 مايو 2026م

 

لقد أضحت الأزمة السودانية، في ظل استمرار الحرب، أكثر تعقيدًا وتشابكًا وتطورًا على مستوى تداعياتها المحلية والإقليمية والدولية، مما جعل معظم المبادرات، إن لم تكن كلها، رهينة أو متأثرة بشكل كبير بتوازنات القوى على أرض الواقع وتقاطعات المصالح الإقليمية والدولية. وخير دليل وشاهد على ذلك تباين مواقف دول الرباعية، رغم بيانها الصادر في 12 سبتمبر 2025م. وعطفًا على ذلك، فإنه من الطبيعي أن يتسم المشهد السياسي بتعدد المبادرات وتضارب المسارات، الذي أعاق بناء موقف دولي موحد للضغط على الأطراف المعرقلة للسلام، بل منحها فرصة للمناورة واختيار المسار الذي يضمن مصالحها ووجودها في المعادلة المستقبلية.

 

وثالثة الأثافي أن معظم هذه المبادرات تفتقر إلى رؤية للحل السياسي الشامل، حيث إنها تركز بصورة أساسية على هدف وقف إطلاق النار باعتباره أولوية عاجلة لاحتواء الكارثة الإنسانية. غير أن السؤال الأهم يظل مطروحًا: هل يكفي وقف إطلاق النار وحده لاستدامة السلام؟ لا سيما وأن هذه الأزمة هي نتاج طبيعي للخلل البنيوي التاريخي، حيث عجزت كل الأنظمة الوطنية التي تعاقبت على حكم البلاد عن إيجاد معادلة لإدارة التنوع السوداني بشكل متوازن وعادل، مما أسفر عن اختلالات سياسية واقتصادية وتنموية واجتماعية وثقافية، تحولت بفعل الأنظمة الشمولية إلى حروب وأزمات لازمت السودان منذ الاستقلال وحتى اليوم.

 

فالحقيقة أن هناك فجوة واضحة بين مفهوم وقف إطلاق النار ومفهوم السلام المستدام. فالأول قد يوقف المعارك مؤقتًا من خلال سلام سلبي قابل للانتكاسة في أي لحظة، لكنه لا يعالج جذور الأزمة السياسية والأمنية التي قادت إلى الحروب أصلًا، بينما السلام المستدام هو عملية شاملة ومستمرة لبناء سلام إيجابي يتجاوز مجرد غياب الحرب، ليشمل معالجة الأسباب الجذرية للنزاعات وتعزيز العدالة والتنمية والتماسك الاجتماعي لمنع تجدد العنف، ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية في ظل بيئة سياسية يسودها العدل والمساواة واحترام حقوق الإنسان وسيادة حكم القانون.

 

فالأمر الغريب أننا نجد كثيرًا من القوى السياسية والمدنية تطرح في رؤاها قضية معالجة جذور الأزمة، ولكن كشعار تجريدي دون أن يكون مصحوبًا بخطط وبرامج عملية وجادة قابلة للتنفيذ، بمعنى أنها تقدم النبيذ القديم في قنانٍ جديدة، مما يقدح في مصداقيتها وجديتها في طي صفحة سودان الحروب.

 

على العموم، إن استمرار الحرب مع تفاقم الأزمة الإنسانية، وزيادة حجم الانتهاكات، وغياب الصوت المدني الموحد الذي يشكل بوصلة للمجتمع الإقليمي والدولي، كل ذلك من شأنه أن يعزز احتمالية التسوية الثنائية أو الجزئية أو الشكلية، مما يعني إعادة إنتاج الأزمة وترحيلها إلى الأجيال القادمة.

 

ختامًا، إن السلام المستدام لن يتحقق فقط عبر إسكات البندقية، بل يتطلب معالجة أسباب الحروب وآثارها، من خلال إرادة وطنية موحدة مدعومة بجهد دولي منسق يضع مصلحة السودان فوق حسابات النفوذ والمصالح. وكما يقول المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي: “القديم يحتضر، والجديد لم يولد بعد، وسوف تظهر في هذا الفاصل التاريخي العديد من الأمراض المتعددة والمتنوعة، والعاقل من يتعظ منها أو يتجنبها.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *