الدويم– الحقيقة 24

ما يجري في جامعة بخت الرضا تجاوز منذ وقت مبكر حدود الخلاف الإداري التقليدي بين إدارة جامعية وأعضاء هيئة تدريس مضربين، واتجه إلى منطقة أكثر خطورة تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمعرفة، وبين السلطة والجامعة، وبين الحق المهني والعقوبة المعيشية. فالقضية، في جوهرها، لم تعد مرتبطة فقط بمرتبات أوقفت أو إضراب نُظم داخل مؤسسة أكاديمية، وإنما أصبحت اختبارًا حقيقيًا لمستقبل الجامعة السودانية نفسها: هل ستظل فضاءً مستقلاً للمعرفة والضمير المهني، أم تتحول تدريجياً إلى جهاز خاضع لمنطق الردع والتجفيف والإخضاع.

التقارير المتداولة حول وقف مرتبات أساتذة مضربين في جامعة بخت الرضا، بعد أشهر من الاعتقالات والاستدعاءات والضغوط المرتبطة بالإضراب القومي لأساتذة الجامعات السودانية، تكشف أن الأزمة دخلت مرحلة جديدة. مرحلة يُستخدم فيها الراتب، في زمن الحرب والانهيار الاقتصادي، كسلاح ضغط مباشر. هنا تحديدًا تتغير طبيعة الصراع. فالأستاذ الجامعي الذي يعمل أصلًا تحت ظروف استثنائية من النزوح والتدهور المعيشي وانهيار البنية التعليمية، يجد نفسه أمام معادلة قاسية: إما الصمت، أو فقدان مصدر العيش.

الروايتان المتقابلتان، رواية لجنة الأساتذة التي تتحدث عن إيقاف مرتبات دون تحقيق أو مساءلة أو إخطار، ورواية الإدارة التي تعتبر الأمر نتيجة “غياب عن العمل” استمر لأسابيع، تكشفان في الحقيقة أزمة أعمق من النصوص الإجرائية نفسها. فالسؤال الحقيقي هنا يتعلق بمن يملك تعريف القانون داخل الجامعة، ومن يملك سلطة تفسير الحق المهني في ظرف استثنائي تعيش فيه البلاد حربًا شاملة وانهيارًا لمؤسسات الدولة.

الأخطر من ذلك أن الملف لا يتحرك داخل فراغ. فالجامعة السودانية اليوم تعمل وسط بيئة مدمرة بالكامل تقريبًا. تقارير اليونسكو تحدثت عن تدمير ونهب عشرات الجامعات والكليات، وآلاف المختبرات والقاعات والمكاتب، مع خروج ملايين الطلاب والشباب من العملية التعليمية. في هذا السياق يصبح وقف المرتب أقرب إلى الإقصاء القسري منه إلى إجراء إداري تقليدي، لأن الأستاذ الجامعي لم يعد يواجه فقط نزاعًا وظيفيًا، وإنما يواجه خطر السقوط الاجتماعي الكامل في بلد تتآكل فيه مقومات الحياة الأساسية يومًا بعد يوم.

ومن الزاوية المؤسسية، تكشف الأزمة خللًا بنيويًا أعمق داخل نظام الحوكمة الجامعية نفسه. فالقوانين المنظمة لجامعة بخت الرضا تمنح وزنًا واسعًا للجهات الخارجية المعينة مقارنة بالتمثيل الأكاديمي الداخلي، وهو ما يجعل القرار الجامعي أكثر قابلية للتأثر بمنطق السلطة العامة على حساب استقلال الجماعة الأكاديمية. هذه ليست مسألة تقنية معزولة، وإنما قضية ترتبط مباشرة بطبيعة الجامعة السودانية منذ عقود: هل تُدار بمنطق المؤسسة العلمية، أم بمنطق الإدارة السياسية والأمنية الممتدة إلى الحرم الجامعي.

التجربة السودانية خلال العقود الماضية أثبتت أن الجامعات كانت دائمًا من أوائل الأهداف في أي مشروع للهيمنة السياسية. فالسلطة التي تخشى المجتمع تبدأ غالبًا بإضعاف النقابات، ثم إخضاع المنابر المهنية، ثم محاصرة الجامعة. السبب واضح: الجامعة ليست مبنى وقاعات دراسة فقط، وإنما مصنع الوعي الوطني، ومنصة إنتاج النخب، والمكان الذي تُراجع فيه السلطة أخلاقيًا وفكريًا. لذلك فإن أي محاولة لتحويل الأستاذ الجامعي إلى موظف خائف من المرتب أو الاستدعاء أو العقوبة، تمثل في حقيقتها محاولة لإنتاج جامعة صامتة، وجيل صامت، ومستقبل صامت.

ما يحدث في بخت الرضا يحمل كذلك دلالة استراتيجية أبعد من حدود الجامعة نفسها. فالحرب السودانية لم تعد تدمر البنية العسكرية والاقتصادية فقط، وإنما بدأت تضرب العمود العصبي للدولة الحديثة: التعليم، والبحث، والكادر المهني، والقدرة المستقبلية على إعادة الإعمار. وحين يُدفع الأستاذ الجامعي إلى الهجرة أو الصمت أو الانسحاب القسري من المجال العام، فإن السودان لا يخسر موظفًا، وإنما يخسر جزءًا من عقله الوطني المتراكم عبر عقود.

الخطير أيضًا أن تطبيع العقوبات المعيشية داخل القطاع الأكاديمي يفتح الباب أمام نموذج حكم يقوم على إدارة المجتمع بالخوف الاقتصادي. اليوم يُستخدم الراتب ضد الأستاذ، وغدًا يمكن استخدامه ضد الطبيب أو القاضي أو المهندس أو أي فئة مهنية تحاول الدفاع عن شروطها أو استقلالها. ومن هنا تتحول القضية من نزاع جامعي إلى مسألة تتعلق بمستقبل المجال المدني كله داخل السودان.

لهذا فإن المطلوب اليوم يتجاوز بيانات التضامن العابرة أو السجالات السياسية المحدودة. المطلوب هو معركة وطنية لاستعادة الجامعة السودانية بوصفها مؤسسة سيادية للمعرفة، لا ساحة للعقاب والإخضاع. وهذا يقتضي أولًا شفافية كاملة في كل القرارات المتعلقة بوقف المرتبات والإجراءات التأديبية، ويقتضي ثانيًا مسارًا قانونيًا مستقلاً يختبر هذه القرارات أمام قواعد العدالة الإجرائية، ويقتضي ثالثًا إعادة فتح النقاش حول استقلال الجامعات وحوكمة مؤسسات التعليم العالي في السودان كله.

إن معركة بخت الرضا ليست معركة أساتذة فقط، وإنما معركة على شكل الدولة السودانية القادمة. فالدولة التي تُضعف الجامعة تُضعف قدرتها على إنتاج السلام والاستقرار والتنمية، والدولة التي تُخضع المعرفة لمنطق العقوبة تُنتج مجتمعًا أكثر هشاشة وأكثر قابلية للانهيار. لذلك فإن حماية الأستاذ الجامعي اليوم تعني حماية ما تبقى من فكرة السودان الحديثة نفسها.

ختاما :إن ما في أزمة بخت الرضا لا يكمن في قرار إداري بعينه، وإنما في المسار الذي يشير إليه: انتقال إدارة المجال الأكاديمي من منطق الحوار المؤسسي إلى منطق الضغط المعيشي والتجفيف المالي. وهذا المسار، إذا تُرك يتمدد، سيقود إلى جامعة خائفة، ومجتمع خائف، ودولة تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج المعرفة والثقة والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *