بين “المشرط” و”الرتبة”: هل تحول الحقل الطبي في السودان إلى غرفة عمليات استخبارية؟
تقرير: الحقيقة 24
فتحت تصريحات القائد العام للجيش السوداني، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، الأخيرة “صندوق باندورا” حول الدور الخفي الذي تلعبه الكوادر الطبية في النزاع الدائر خاصة كوادر الحركة الإخوانية والقطاع الطبي في التنظيم المحلول، فبينما تُعرف المهنة عالمياً بحيادها، كشفت هذه التصريحات عن نمط صراع مختلف يدور داخل غرف العمليات وممرات المستشفيات، حيث تتقاطع القيم الإنسانية مع حسابات أمنية وعسكرية معقدة.
فخ “الجناح العسكري”: هل سقط الحياد؟
تذهب التحليلات إلى أن الصراع السوداني كشف عن درجة عالية من الاستقطاب داخل الأجسام النقابية والطبية، ويرى مراقبون أن إدخال الأطباء في مسارات الحرب وضع جهات مثل “نقابة أطباء السودان” أو “لجنة الأطباء” تحت طائلة الاتهام بوصفها واجهات ذات أدوار استخبارية، في مقابل اتهامات موجهة لكوادر طبية تنتمي فكرياً إلى “الحركة الإسلامية” بتنفيذ عمليات تصفية صامتة داخل المستشفيات.
وتتصاعد الأسئلة الأخلاقية على نحو مقلق، حيث تثار مزاعم حول حالات بتر أعضاء أو استخدام دماء ملوثة أو ممارسات طبية خاطئة بحق جرحى من أطراف النزاع داخل الخرطوم والجزيرة، وإذا ثبتت مثل هذه الوقائع فإننا أمام تحول خطير في وظيفة المهنة، من فضاء إنساني محايد إلى أداة يمكن توظيفها في سياق الإيذاء المنهجي.
المستشفى كمنصة صراع خفي
يمثل نموذج المستشفى التركي ومستشفى بشاير في الخرطوم، إلى جانب مرافق أخرى في مناطق النزاع، نقاط ارتكاز حساسة ضمن هذا المشهد، حيث تبرز تساؤلات حول مدى قدرة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية المرتبطة بالحركة الإسلامية على زرع شبكات رصد وتوجيه داخل الحقل الطبي، تعمل في الظل وتؤدي أدواراً تتجاوز العمل الصحي التقليدي.
ويُفهم من تصريح البرهان أنه يحمل أبعاداً تتصل بالحرب النفسية، إذ يمكن قراءته كرسالة موجهة لإرباك قوات الدعم السريع، عبر الإيحاء بوجود اختراق داخل بيئاتها الطبية، حتى مع ما يحمله ذلك من مخاطر على سلامة الكوادر المهنية غير المنخرطة في هذا الصراع.
انعكاسات دولية وتآكل الثقة
تضع هذه التصريحات مصداقية المنظمات الدولية، مثل أطباء بلا حدود (MSF)، أمام اختبار صعب، لأن التشكيك في نزاهة الكوادر السودانية العاملة ضمن هذه المنظمات ينعكس مباشرة على حيادها، وقد يفتح الباب أمام تقييد حركتها أو إخضاع عملياتها لإجراءات تفتيش وتدقيق تحت ذرائع أمنية، بما يعقد الاستجابة الإنسانية في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة حادة.
التوقيت ودلالات الرسائل
يأتي توقيت تصريحات البرهان في سياق ميداني متغير، حيث يمكن تفسيرها كجزء من محاولة لتفسير مكاسب ميدانية عبر ربطها بدقة المعلومات، أو كأداة لرفع الروح المعنوية داخل المعسكر الموالي، كما يمكن قراءتها أيضاً ضمن تكتيك يقوم على كشف أو “حرق” شبكات مفترضة بعد انتهاء دورها، أو دفع الطرف الآخر إلى حالة شك داخلي تولد توتراً وانعدام ثقة داخل بنيته التنظيمية.
أزمة الثقة ومستقبل المهنة
يبقى السؤال الأكثر حساسية متعلقاً بمستقبل الثقة في الطبيب السوداني، فإذا تحولت المستشفيات إلى فضاءات أمنية أو منصات إدارة عمليات، فإن مفهوم الحماية الدولية للقطاع الصحي يتعرض لتآكل عميق، بما يعني أن الحروب القادمة قد تمتد آثارها إلى كل من يرتدي المعطف الأبيض.
شهادات ميدانية
تتداول روايات ميدانية خطيرة تشير إلى ممارسات تتطلب تحقيقاً مهنياً مستقلاً، تشمل استخدام دماء غير متطابقة، أو مواد ملوثة، أو أدوات غير معقمة، أو وصف علاجات غير دقيقة، إضافة إلى حالات بتر أعضاء في ظروف تثير الشكوك حول ضرورتها الطبية، كما ترد إفادات عن استهداف مرضى داخل بعض المرافق الصحية على خلفيات تتصل بانتماءاتهم، وهي مزاعم لا يمكن التعامل معها كوقائع مثبتة دون تحقيق، لكنها تعكس مستوى القلق المتصاعد داخل المجتمع.
هذه الإفادات تفرض ضرورة تحرك الجهات المهنية، وعلى رأسها اللجنة التمهيدية لأطباء السودان، إلى جانب الهيئات الطبية الإقليمية والدولية، لإجراء تحقيقات مستقلة وشفافة، تضمن حماية سمعة المهنة، وتحدد المسؤوليات، وتعيد رسم الحدود الفاصلة بين العمل الطبي والاشتباك السياسي والعسكري.
تصريحات القيادة العسكرية تتجاوز كونها تعبيراً عابراً، إذ تعكس انتقال الحقل الطبي إلى قلب الصراع، وتحوله إلى ساحة تتقاطع فيها الأدوار المهنية مع حسابات النفوذ والأيديولوجيا، وفي حال ترسخ هذا المسار فإن القطاع الصحي في السودان سيواجه تحدياً وجودياً، يتعلق بقدرته على استعادة حياده، وحماية رسالته، والحفاظ على ما تبقى من الثقة بين الطبيب والمجتمع.
