متابعات: الحقيقة 24
أثارت عودة عدد من القادة الميدانيين المنشقين عن قوات الدعم السريع إلى صفوف الجيش السوداني موجة واسعة من الجدل السياسي، وسط تصاعد تساؤلات حول طبيعة الحرب الجارية في السودان، والتناقضات المرتبطة بخطاب “الكرامة” و”الحسم العسكري” الذي رافق الصراع منذ اندلاعه في أبريل 2023.
وجاءت الانتقادات الأخيرة بعد تصريحات للقيادي بحزب المؤتمر السوداني خالد عمر يوسف، وعضو مجلس السيادة السابق محمد الفكي سليمان، إلى جانب مقال تحليلي للكاتب أحمد عبد الوهاب، ركزت جميعها على ما وصفته بـ”التناقض” بين شعارات الحرب وعودة شخصيات كانت تُقدَّم سابقاً كجزء من “العدو”.
وتشمل قائمة العائدين شخصيات ميدانية بارزة مثل اللواء أبوعاقلة كيكل، واللواء النور القبة، والعميد السافنا، إضافة إلى الصحفي إبراهيم بقال، وهي أسماء ارتبطت خلال مراحل مختلفة من الحرب بمعارك في الجزيرة والخرطوم والفاشر وأم درمان.
وقال خالد عمر يوسف إن عودة هذه الشخصيات تحت شعار “عفا الله عما سلف” تكشف ـ بحسب تعبيره ـ سقوط المبررات التي استُخدمت لرفض الحلول التفاوضية، مشيراً إلى أن الخطاب الذي كان يرفض “الجلوس مع من قتلوا ونهبوا” تراجع عملياً مع تبدل التحالفات العسكرية والسياسية.
في المقابل، طرح الكاتب أحمد عبد الوهاب تساؤلات وصفها بأنها “جوهرية” حول أسباب القتال منذ البداية، قائلاً إن المواطنين من حقهم معرفة ما إذا كانت الحرب تدور فعلاً حول مشروع وطني أو مجرد صراع نفوذ ومصالح بين قوى عسكرية وسياسية.
وأضاف أن انتقال قادة ميدانيين من معسكر إلى آخر دون مراجعات فكرية أو اعترافات واضحة بالأخطاء يخلق انطباعاً بأن الحرب تحولت إلى “لعبة مصالح” تتغير فيها المواقع وفق موازين القوة لا وفق المبادئ أو الشعارات المعلنة.
من جانبه، اعتبر محمد الفكي سليمان أن الصراع الحقيقي في السودان ظل يتمحور حول السلطة بين المؤسسة العسكرية والقوى المدنية، متهماً العسكريين باستخدام الحرب والانفلات الأمني كوسيلة لإطالة البقاء في الحكم وتعطيل الانتقال المدني الديمقراطي.
ويرى مراقبون أن إعادة دمج شخصيات قاتلت سابقاً ضمن قوات الدعم السريع في المعسكر المؤيد للجيش يعكس تحولات معقدة في خريطة التحالفات العسكرية، كما يسلط الضوء على هشاشة الاصطفافات التي تشكلت خلال الحرب.
ويقول محللون إن هذه التحولات قد تعزز الدعوات المتزايدة لوقف إطلاق النار والعودة إلى مسار تفاوضي شامل، خاصة مع استمرار الأزمة الإنسانية واتساع رقعة النزوح والانهيار الاقتصادي في البلاد.
في المقابل، يعتقد مؤيدو الخيار العسكري أن استقطاب القادة المنشقين يمثل خطوة لتقوية الجبهة المناهضة للدعم السريع وتقليص قدراته الميدانية، معتبرين أن الأولوية الحالية تظل للحسم العسكري واستعادة سيطرة الدولة على كامل الأراضي السودانية.
ومع استمرار الحرب لأكثر من ثلاث سنوات، تتزايد الأسئلة داخل الشارع السوداني حول طبيعة التحالفات المتغيرة، وحدود الخطاب السياسي والعسكري، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو تسوية سياسية شاملة أم نحو دورة جديدة من إعادة إنتاج الصراع تحت عناوين مختلفة.
