الكاتب: عروة الصادق
أغسطس 22, 2026
المعركة الحقيقية تدور حول مَن يكتب قواعد دولة ما بعد الحرب، ومَن يملك منح نتائج الحوار قابلية الاعتراف والتمويل والتنفيذ.
العبارة الرائجة تقول إن واشنطن رفضت مبادرة عبد الفتاح البرهان للحوار السوداني، العبارة جذابة، سريعة، وتصلح لعناوين المنصات للإثارة، غير أنها تضيّغ المعنى السياسي الأثقل، لأن الخارجية الأميركية لم تصدر بيانًا يحمل عنوان «رفض مبادرة البرهان»، ولم تغلق باب الحوار السوداني. ما فعلته أدق وأشد أثرًا: قبلت أصل الفكرة، ثم وضعت شروطًا تسحب من صاحب المبادرة ثلاثة مفاتيح تمنحه السيطرة على مسارها؛ قيادة العملية، ومكان انعقادها، وتعريف مَن يشارك فيها.
قال متحدث باسم الخارجية الأميركية إن بلاده مستعدة لدعم حوار سوداني «حقيقي وشامل تقوده قوى مدنية»، ينعقد في مكان تتفق عليه الأطراف، ويضم طيفًا واسعًا من السودانيين، بمن فيهم النازحون داخل البلاد واللاجئون خارجها، وهذه الكلمات القصيرة تهدم المعمار الذي أراد البرهان تشييده من دون أن تهدم فكرة الحوار نفسها. القيادة المدنية تنزع سلطة التصميم من القيادة العسكرية، والمكان المتفق عليه يلغي احتكار الخرطوم للقاعة والأمن وإجراءات الدخول. مشاركة النازحين واللاجئين تعيد تعريف الشعب السياسي الذي يملك تفويض الدولة المقبلة.
هنا يقع الفارق بين الرفض المباشر والقبول المشروط، فالرفض يترك المبادرة لصاحبها ويمنحه فرصة مخاطبة الداخل باعتباره ضحية تدخل خارجي. القبول المشروط يدخل إلى قلب المبادرة، يعيد ترتيبها، ويربط الاعتراف بمخرجاتها بمدى تغيير بنيتها. واشنطن قالت للبرهان عمليًا: يمكنك الدعوة إلى الحوار، ويمكنك فتح القاعات، أما إنتاج شرعية قابلة للتصدير إلى العالم فله شروط أخرى.
ثلاثة مفاتيح وراء لافتة واحدة
طرح البرهان حوارًا يبدأ داخل السودان، وتوفر له الدولة الدعم اللوجستي والضمانات القانونية والسياسية والأمنية، مع حصانة إجرائية مؤقتة تتصل بالبلاغات وحصانة دائمة للآراء التي تطرح داخل الجلسات، وربط العملية باستكمال مؤسسات الحكم وتكوين المجلس التشريعي، ثم الوصول لاحقًا إلى الانتخابات، ويخادمه في ذلك جمهرة من الساسة والنشطاء، وظاهر العرض انفتاح. بنيته العميقة تمنح السلطة القائمة يدًا طويلة في اختيار البيئة، وحماية المشاركين، وتحديد أثر النتائج، ثم ترجمتها إلى مؤسسات منشأة تحت سيطرتها.
تبدو الحصانة هدية سخية، غير أن السؤال الجاد يبدأ بعد الهدية: مَن يملك البلاغ أصلًا؟ ومَن يعلقه؟ ومَن يعيده بعد انتهاء الجلسات؟ الحماية التي يمنحها طرف قادر على سحبها تبقى أداة ضبط أكثر من كونها حقًا. الدولة القانونية لا تستدعي خصومها إلى قاعة يسيطر عليها جهازها الأمني ثم تقدم سلامتهم كمنحة من القائد؛ الدولة القانونية تضع ضمانات مستقلة يستطيع الخصم الاحتجاج بها على القائد نفسه.
ثم جاء وزير الخارجية محيي الدين سالم من منصة سعودية “الحدث” وهو المتحدث باسم الحزب المحلول في الخارجية وأحد عناصر الحركة الإخوانية الذين ابتعثهم البرهان من كشوفات التفكيك، وكشف موضع سالم بسزاجة الخلاف بلا زخرفة، وأعلن قرب الحوار، ودعا الراغبين إلى الحضور داخل السودان خاصة أولئك الذين زاملهم في الخارجية، ورفض «الحلول الجزئية» التي تفصل الهدنة ووقف النار والملف الإنساني عن التسوية الكاملة، بذلك انتقل النزاع من النقاش حول الحوار إلى الصراع على ترتيب الخطوات: بورتسودان تريد عملية سياسية تنطلق تحت سلطتها، ثم تعالج الحرب ضمن تسوية شاملة؛ واشنطن تريد وقفًا إنسانيًا قابلًا للرقابة يسبق العملية السياسية ويغيّر بيئتها.
وبعد يومين، أعلن البرهان أن المعركة ستستمر حتى نهاية التمرد، وتوقع عقوبات جديدة، والتصريح لا يساوي وثيقة رفض رسمية للوساطة؛ لكنه يحدد ترتيب أدوات القيادة: الميدان أولًا، والحوار داخل شروط السلطة، والتفاوض مع الخارج تحت ضغط الوقائع. كما يكشف أن بورتسودان تتوقع انتقال الرد الأميركي من البيانات إلى الشبكات المالية والتسليحية المحيطة بها.
الترتيب هنا سياسة مكتملة، والطرف الذي يملك البوابة الأولى يستطيع التأثير في كل ما بعدها، وإذا بدأ المسار بتكوين لجنة ومؤسسات ومجلس تشريعي تحت مظلة السلطة القائمة، تصبح الهدنة بندًا داخل نظام سياسي أخذ يتشكل. وإذا بدأ بهدنة ورقابة ووصول إنساني وانسحابات مرحلية، تدخل السلطة نفسها إلى التفاوض قبل أن تنجز هندسة المؤسسات. لهذا تبدو الكلمات الإجرائية صغيرة في نشرات الأخبار، بينما تعمل في الواقع كقواعد تأسيس للدولة.
العاصمة ورقة قوة، لا صك تأسيس
يحاول البرهان تحويل سيطرة الجيش على الخرطوم، وعودة أجهزة الدولة، واستمرار الاعتراف الدبلوماسي بالحكومة، إلى حجة سياسية تقول إن السلطة موجودة والعاصمة عادت، ومن ثم يمكن بدء الحوار تحت إدارتها، للحجة وزن حقيقي، والسيطرة على العاصمة تمنح قدرة إدارية، ورمزية سيادية، وقنوات اتصال، ومؤسسات قادرة على إصدار القرارات. تجاهل هذا الوزن يُنتج تحليلًا هاربًا من الوقائع.
غير أن السيطرة العسكرية لا تمنح صاحبها حقًا منفردًا في كتابة عقد الدولة المقبلة. فالعاصمة مركز سلطة، والسودان أكبر من العاصمة. والحرب مستمرة في دارفور وكردفان ومناطق أخرى، وشبكات الإمداد والذهب والسلاح تعبر الحدود، ونحو أربعة عشر مليون سوداني أُجبروا على الفرار داخل البلاد وخارجها منذ بدء الحرب. عندما تجعل سلطة واحدة المساحة التي تديرها مساوية للوطن كله، فهي تطلب من المهجّرين الاعتراف بقاعة لم يختاروها، وتطلب من المناطق الواقعة خارج سيطرتها قبول نتائج عملية لم تملك شروط الدخول إليها.
الرسالة الأميركية في جوهرها واضحة: مَن يملك الأرض والسلاح يستطيع فرض وقائع، لكنه لا يملك وحده تحويل تلك الوقائع إلى شرعية دائمة. الاعتراف بالدولة شيء، ومنح القيادة العسكرية تفويضًا تأسيسيًا شيء آخر. هذه هي المساحة التي تحاول بورتسودان دمجها، وتحاول واشنطن فصلها.
خطتان لدولة واحدة
الورقة الأميركية المحدثة ترتب المسار على نحو معاكس لأنها تبدأ بهدنة إنسانية شاملة لمدة تسعين يومًا، ثم آلية رقابة تشارك فيها الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية، مع ترتيبات للوصول الإنساني وحماية المدنيين وتسوية النزاعات ومتابعة الانسحابات. تُستخدم الهدنة للتفاوض على وقف دائم للنار وترتيبات أمنية، ثم تنطلق عملية سياسية مدنية واسعة تقود إلى حكومة انتقالية، وبعدها يأتي التعافي الاقتصادي وصندوق إعادة الإعمار.
قبلت الحكومة السودانية معظم الهيكل، واشترطت انسحاب قوات الدعم السريع من المدن التي سيطرت عليها منذ 11 مايو 2023م، الشرط مفهوم من زاوية الأمن والسيادة وحماية السكان، لكنه يحمل أثرًا تفاوضيًا واضحًا: مطالبة الخصم بالتخلي عن أهم أوراقه الميدانية قبل بدء الهدنة. في المقابل، تجميد الخطوط الراهنة بلا انسحابات يثبت مكاسب السلاح ويمنح الدعم السريع عائدًا سياسيًا من الحرب.
المعالجة الجادة تحتاج جدولًا مرحليًا يبدأ بالمستشفيات والأسواق والأحياء عالية الكثافة، ونقاط تجميع معلنة، وخرائط انتشار، ومراقبين ذوي صلاحية، وآلية تحقق دولية مستقلة تستطيع تسمية الطرف الذي يخرق التزامه.
هذا هو الفراغ الذي تتغذى عليه الحرب. وكل طرف يطلب من الآخر أن يدفع مقدم التسوية كاملًا: الجيش يريد انسحابًا واسعًا قبل الهدنة، والدعم السريع يستخدم الهدنة لتثبيت نفوذه، والقوى المدنية تطالب بمسار مستقل من دون امتلاك أدوات حماية، والوسطاء يعرضون مبادئ عامة ويتركون هندسة التنفيذ للمرحلة اللاحقة. ثم تأتي المرحلة اللاحقة محملة بالرصاص نفسه.
مَن يريد ماذا؟
البرهان يريد تحويل التفوق الميداني النسبي وعودة العاصمة إلى تفويض سياسي، وحماية وحدة الجيش وموقع القيادة، ومنع تسوية تعيد الدعم السريع إلى الدولة بشروط مريحة. وداخل هذا الهدف توجد معضلة: المؤسسة العسكرية تحتاج شرعية مدنية كي تستعيد التمويل والعلاقات الطبيعية، بينما تخشى قيادتها أن تنتج العملية المدنية سلطة تقيد الجيش وتفكك شبكات النفوذ التي نمت حوله خاصة وأن كل القوى المدنية تنادي بهيكلة وإصلاح هذا الجيش الذي أثبت بسلوكه وممارساته ومواقفه أنه أبعد ما يكون عن الاحترافية والمهنية.
الحركة الإسلاموية وشبكات النظام السابق وكتائبه المتطرفة تريد حماية وجودها داخل أجهزة الدولة ومعسكر القتال، ثم تحويل مساهمتها العسكرية إلى عودة سياسية ومؤسسية. وشعار «عدم الإقصاء – لا يستثني أحد» يمنحها غطاء لغويًا جذابًا؛ فالناس تنفر من الإقصاء، والعبارة تبدو أخلاقية، وللأسف هناك قوى مدنية ونخب يريدون شرعنة وضع تحت هذا الشعار للتنظيم والحركة وواجهاتهما. لكن هذه المشاركة…
