تقرير: الحقيقة 24

لا يمكن فهم تعقيدات المشهد السوداني الراهن دون العودة إلى التحولات السياسية التي بدأت مع انقلاب عام 1989، حين استولى الجيش على السلطة بدعم من التيار الإسلامي المرتبط بالمفكر الإسلامي حسن الترابي، قبل أن يتولى الحكم لاحقاً الرئيس السابق عمرالبشير. ومنذ ذلك التاريخ دخل السودان مرحلة سياسية امتدت لثلاثة عقود، تركت آثاراً عميقة على بنية الدولة والمجتمع.

وخلال تلك السنوات، عززت الحركة الإسلامية نفوذها داخل مؤسسات الدولة السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهو نفوذ ظل محل جدل واسع بين القوى السياسية السودانية، التي ترى أن كثيراً من الأزمات الراهنة تعود جذورها إلى تلك المرحلة.

تحولات داخلية وصراعات مستمرة

يرى منتقدو تجربة الإسلاميين في الحكم أن السياسات التي اتبعت خلال تلك الفترة ساهمت في تعميق الانقسامات السياسية والاجتماعية داخل السودان. ويشير محللون إلى أن التوترات التاريخية بين المركز والأقاليم، إضافة إلى الصراع الطويل بين الشمال والجنوب، تداخلت مع طبيعة الحكم آنذاك، وهو ما انتهى لاحقاً إلى انفصال South Sudan عن Sudan عام 2011.

كما شهدت تلك السنوات اندلاع أو تصاعد نزاعات مسلحة في مناطق عدة، أبرزها دارفور وكردفان والنيل الأزرق، وهي صراعات استنزفت موارد الدولة وأثرت بشكل مباشر على التنمية والاستقرار السياسي.

عزلة دولية وعقوبات اقتصادية

على الصعيد الخارجي، واجه السودان خلال تسعينيات القرن الماضي ضغوطاً دولية متزايدة، إذ اتُهمت الحكومة آنذاك بإقامة علاقات مع جماعات متشددة، الأمر الذي أدى إلى فرض عقوبات دولية وعزلة دبلوماسية استمرت لسنوات طويلة.

وقد انعكست تلك العقوبات بصورة مباشرة على الاقتصاد السوداني، الذي شهد تراجعاً كبيراً وارتفاعاً في معدلات التضخم والفقر، ما ألقى بظلاله على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في البلاد.

علاقات إقليمية معقدة

بعد سقوط نظام البشير عام 2019، عاد الجدل مجدداً حول نفوذ الإسلاميين وعلاقاتهم الإقليمية. ويشير بعض المراقبين إلى أن Turkey كانت من الدول التي حافظت على علاقات سياسية واقتصادية وثيقة مع الخرطوم خلال سنوات حكم الإسلاميين.

ويرى محللون أن هذا التقارب لم يكن اقتصادياً فقط، بل شمل أيضاً أبعاداً سياسية وأيديولوجية، خاصة في مشاريع مثل تطوير Suakin Island على البحر الأحمر، الذي اعتبره البعض جزءاً من رؤية تركية لتعزيز حضورها في المنطقة.

جدل حول مواقف مصر

في المقابل، يرى بعض المراقبين أن سياسة Egypt تجاه السودان اتسمت بقدر من البراغماتية. فبينما تعلن القاهرة معارضتها لجماعة الإخوان المسلمين داخل مصر، فإن علاقاتها مع المؤسسة العسكرية السودانية ظلت تحكمها اعتبارات الأمن الإقليمي والاستقرار على الحدود المشتركة.

ويشير محللون إلى أن هذا التوازن دفع السياسة المصرية في بعض الأحيان إلى دعم استقرار المؤسسات القائمة في السودان، حتى لو كانت تضم شخصيات ارتبطت بالنظام السابق، وهو ما أثار انتقادات من بعض القوى السياسية السودانية التي طالبت بتغيير أعمق في بنية السلطة بعد الثورة.

المشهد المعقد

اليوم، وبينما يواجه السودان واحدة من أكثر مراحله اضطراباً في تاريخه الحديث، يعود النقاش حول دور الإسلاميين وإرث ثلاثة عقود من الحكم إلى الواجهة مجدداً. فالبعض يرى أن هذا الإرث ما زال يلقي بظلاله على مؤسسات الدولة والتحالفات الإقليمية، بينما يعتبر آخرون أن الأزمة السودانية أعمق من اختزالها في تيار سياسي واحد.

وفي ظل الحرب المستمرة والانقسامات السياسية الحادة، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة السودان على تجاوز هذا الإرث التاريخي وبناء نظام سياسي جديد يحقق الاستقرار ويستجيب لتطلعات السودانيين في دولة أكثر توازناً واستقراراً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *