براغماتية المصالح”.. لماذا تفتح القاهرة أبوابها لإسلاميي السودان؟

​تقرير الحقيقة 24

​بينما تخوض القاهرة معركة صفرية مع تيار الإسلام السياسي محلياً، تبرز مفارقة لافتة في تعاملها مع “إسلاميي السودان” الذين يتواجدون بكثافة على أراضيها ويتحركون في أروقتها السياسية والاقتصادية.

هذا التقرير يستعرض خفايا العلاقة بين نظام الرئيس عبد الفتاح السيسي وقيادات التيار الإسلامي السوداني، ويحلل ما إذا كان الأمر “اختراقاً استخباراتياً” أم “تحالف ضرورة” تفرضه حرائق المنطقة.

 

​ أولاً  : أمن الدولة فوق “فوبيا” الإخوان

​يرى مراقبون أن المحرك الأول للسياسة المصرية تجاه السودان هو ” المؤسسة العسكرية”. بالنسبة لصانع القرار في القاهرة، الجيش السوداني هو الضامن الوحيد لمنع تحول السودان إلى دولة ذات سيادة حقيقية تهدد العمق الاستراتيجي المصري.

​تحالف الضرورة: تدرك المخابرات المصرية أن التيار الإسلامي يشكل “العمود الفقري” للمقاومة الشعبية والإسناد الإداري للجيش السوداني حالياً.

​تحييد الأيديولوجيا: تتعامل القاهرة مع إسلاميي السودان ليس كـ “تنظيم دولي”، بل كـ “طرف فاعل” في الدولة الجارة يمكن التفاهم معه لتأمين المصالح المشتركة، وعلى رأسها ملف سد النهضة ومواجهة قوات الدعم السريع.

​ثانياً: الاقتصاد.. “المال السوداني” في خدمة الخزانة المصرية

​لا يمكن فصل السياسي عن الاقتصادي في هذا الملف؛ فالسودانيون في مصر ليسوا مجرد لاجئين، بل هم “كتلة مالية” ضخمة ساهمت في إنعاش الأسواق المصرية:

​الاستثمارات المهاجرة: انتقلت مئات الشركات ورؤوس الأموال التابعة لقيادات ورموز سودانية (من بينهم إسلاميون) إلى قطاعات العقارات، التجارة، والمقاولات في مصر.

​العملة الصعبة: التدفقات النقدية السودانية في النظام المصرفي المصري والأسواق الموازية شكلت “رئة تنفس” في أوقات الأزمات الاقتصادية، مما يجعل من طردهم أو التضييق عليهم خسارة اقتصادية فادحة.

​ثالثاً: نظرية “الاحتواء المباشر”

​تعتمد المخابرات المصرية استراتيجية “الاحتواء تحت الرقابة”. فوجود هذه القيادات في القاهرة يمنح الدولة المصرية ميزتين:

​منع الاستقطاب الخارجي: ضمان عدم ارتماء هذه القيادات في أحضان محاور إقليمية منافسة لمصر (مثل بعض القوى التي تدعم الفوضى في السودان).

​أوراق الضغط: وجودهم داخل مصر يجعل مواقفهم السياسية “منضبطة” وتحت السيطرة، حيث يدرك الجميع أن “تأشيرة الإقامة” ترتبط بمدى الالتزام بالخطوط الحمراء المصرية.

​رابعاً: هل هم “منفذو أجندات”؟

​يتساءل الشارع السوداني عما إذا كان هؤلاء مجرد أدوات للمخابرات المصرية. التحليلات تشير إلى أن العلاقة ليست “تبعية مطلقة” بقدر ما هي “تقاطع مصالح”:

​إسلاميو السودان يحتاجون “الغطاء المصري” للشرعية والتحرك الدولي والآمان الشخصي.

​مصر تحتاج “نفوذهم” داخل مؤسسات الدولة السودانية لضمان بقاء السودان في المحور الصديق للقاهرة.

” الحقيقة24″ تستشرف المستقبل

​إن الصمت المصري تجاه “إخوان السودان” ليس ضعفاً ولا تناقضاً، بل هو تطبيق عملي لمدرسة الواقعية السياسية (Realpolitik). فالنظام المصري يراهن على أن “خطر الإخوان” في السودان يمكن إدارته والسيطرة عليه، بينما ” هزيمة الجيش السوداني” هو الخطر الذي لا يمكن معالجته.

​يبقى السؤال قائماً: هل ستظل القاهرة “الملاذ الآمن” لهؤلاء إذا ما وضعت الحرب أوزارها، أم أن المشهد سيتغير مع أول جولة مفاوضات سياسية شاملة؟”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *