بقلم: محي الدين بلال

في لحظات التحولات الكبرى في تاريخ الدول، لا تُقاس الأفكار بما تحمله من شعارات فحسب، بل بقدرتها على التحول إلى واقع سياسي واجتماعي يعيد تعريف الدولة نفسها. ومن هذا المنطلق يمكن قراءة تجربة حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) باعتبارها محاولة للإجابة عن سؤال ظل يؤرق السودانيين منذ الاستقلال: كيف يمكن بناء دولة تتجاوز الانقسام التاريخي بين السلطة والمجتمع، وتؤسس لوطن يتسع للجميع؟

التطورات الأخيرة، وعلى رأسها القرار المنسوب إلى وزارة الخارجية الأمريكية بشأن تصنيف تنظيم الإخوان المسلمين في السودان كمنظمة إرهابية، كشفت جانباً مهماً من التحول في المزاج العام داخل المجتمع السوداني. فقد بدت ردود الفعل في الفضاء العام وكأنها تعبير عن رغبة متنامية لدى قطاعات واسعة من السودانيين في طي صفحة مرحلة سياسية ارتبطت، في الوعي الجمعي، بأزمات الدولة وتراجع مؤسساتها.

اللافت أن مظاهر الترحيب لم تقتصر على مناطق بعينها، بل ظهرت حتى في مناطق لا تخضع لسيطرة تحالف “تأسيس”، وهو ما يمكن قراءته كمؤشر على تحوّل أعمق في الإدراك الشعبي لطبيعة الصراع السياسي في البلاد. فالمجتمع السوداني، بعد عقود من التجارب المريرة، بات أكثر حساسية تجاه التنظيمات الأيديولوجية التي يُنظر إليها باعتبارها تسعى إلى احتكار الدولة أو توظيفها لخدمة مشروع فكري ضيق.

غير أن السؤال الفلسفي الأعمق لا يتعلق فقط برفض مرحلة سابقة، بل بقدرة البديل المطروح على تقديم نموذج مختلف للدولة. فالفكرة التي تقوم عليها حكومة الوحدة والسلام – دولة تقوم على التوافق والشراكة – ليست مجرد طرح سياسي عابر، بل محاولة لإعادة تعريف مفهوم الدولة السودانية: من دولة الهيمنة إلى دولة التوافق، ومن دولة المركز إلى دولة المشاركة.

لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن الفجوة بين الفكرة والواقع غالباً ما تكون أكبر التحديات التي تواجه المشاريع الكبرى. فالفكرة، مهما بدت جذابة، تحتاج إلى مؤسسات فاعلة، وإدارة رشيدة، وقدرة على توفير الأمن والخدمات، حتى تتحول إلى شرعية واقعية على الأرض.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي أمام حكومة “تأسيس”: هل تستطيع أن تثبت أن مشروعها يتجاوز حدود الخطاب السياسي، ليصبح نموذج حكم قابل للحياة؟

في المقابل، تبدو الساحة الدولية وكأنها تراقب هذه التحولات بحذر. فالدول، في علاقاتها الخارجية، لا تعترف بالأفكار بقدر ما تعترف بالوقائع. والاعتراف الدولي لا يأتي كمكافأة سياسية، بل نتيجة لمعادلة معقدة تجمع بين الاستقرار، والقدرة على إدارة الدولة، والقبول الشعبي.

ومن هنا يمكن فهم ما يُوصف أحياناً بـ”سباق الاعترافات”. فكلما استطاعت أي سلطة أن تثبت حضورها الفعلي على الأرض، وأن تقدم نفسها كشريك قادر على حفظ الاستقرار ومكافحة التطرف، زادت فرصها في كسب الاعتراف الخارجي. وهذا ما يجعل معركة الشرعية في السودان اليوم ليست معركة داخلية فحسب، بل أيضاً معركة دبلوماسية على مستوى الإقليم والعالم.

في النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت حكومة الوحدة والسلام (تأسيس) قد وُلدت بالفعل، بل ما إذا كانت هذه التجربة قادرة على التحول من فكرة سياسية إلى عقد اجتماعي جديد يعيد بناء الدولة السودانية.

فالدول لا تقوم على الشعارات وحدها، بل على قدرتها على تحويل الأمل إلى نظام، والرؤية إلى مؤسسات، والحلم إلى واقع يعيش فيه الناس بسلام وكرامة. وعندها فقط يمكن القول إن السودان ربما بدأ يقترب من الدولة التي ظل يبحث عنها منذ الاستقلال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *