إيران والسودان: حين لا يطرح شجر “المُر” إلا “المُر”
بقلم: محي الدين بلال
في عمق الأمثال الشعبية تكمن حكمة الأجيال، ومثلنا السوداني القائل: “نفس الطينة ونفس العجينة”، يختزل ببراعة تشابهاً مؤلماً بين تجربتين سياسيتين تبدوان متباعدتين جغرافياً، لكنهما تلتقيان في جوهرهما: إيران تحت حكم الملالي، والسودان إبان ثلاثين عاماً من سيطرة جماعة الإخوان المسلمين فكلاهما سلك الدرب ذاته، وسقط في الحفرة نفسها؛ حفرة إهمال الإنسان وتضخيم الأوهام.
وهم القوة العسكرية مقابل “هلك” المواطن
لقد استثمرت الأنظمة الشمولية في كلتا الدولتين في بناء قوة عسكرية ضخمة، لكنها قوة موجهة نحو الخارج أو نحو قمع الداخل، على حساب رفاهية المواطن
ففي إيران، انصب الاهتمام على تطوير الصواريخ والمفاعلات النووية ودعم الأذرع الإقليمية، بينما تُرك المواطن الإيراني يواجه تحديات معيشية طاحنة.
أما في السودان، فقد كرّس نظام الإخوان جلّ موارده لبناء ما أسماه “المنظومات الدفاعية” وشراء الولاءات الأمنية، مستنزفاً أكثر من 70% من ميزانية الدولة على الأمن والدفاع في المقابل، تدهورت قطاعات الصحة والتعليم، وتحولت إلى خدمات مدفوعة، بينما كان المواطن السوداني يلهث خلف “أنبوبة الغاز” و”الرغيفة”، وهو يسمع شعارات جوفاء مثل “نأكل مما نزرع”، والواقع يقول إننا لا نجد حتى ما زرعناه.
قام كلا النظامين على مبدأ “التمكين” الأيديولوجي؛ حيث لا مكان إلا للموالين في السودان، أدى هذا المبدأ إلى تشريد الكفاءات الوطنية تحت مسمى “الصالح العام”، وبناء جيل على أساس الولاء للتنظيم لا للوطن كانت النتيجة مؤسسات حكومية خاوية، يديرها “أهل ثقة” لا “أهل خبرة” إن إهمال رأس المال البشري هو الوصفة المؤكدة لتدهور أي أمة، فالدول لا تُبنى بالهتافات، بل بالعقول التي تُحترم وتُقدّر.
كما أنفقت إيران ثروات شعبها على أجندات التوسع الإقليمي، بدّد نظام الإخوان في السودان “أموال البترول” في أوج ازدهاره على تثبيت أركان حكمه ودعم حركات خارجية، مما أدخل البلاد في عزلة دولية وعقوبات قاسية تلك الأموال التي كان يمكن أن تعيد إحياء “مشروع الجزيرة” أو تبني أكبر شبكة سكك حديد في أفريقيا، ذهبت أدراج الرياح لتستقر في جيوب التنظيم أو تُحرق في محرقة الحروب الداخلية.
أي نظام لا يقوم على أسس الديمقراطية والمحاسبة هو أشبه بـ “الراكوبة في الخريف”؛ قد تبدو قوية من بعيد، لكنها لا تصمد أمام أول “هبّة ريح” ثورية الانهيار الذي شهدناه في السودان، والذي تتجلى بوادره في إيران، ليس مفاجئاً، بل هو نتيجة حتمية لتآكل الأرضية المجتمعية.
عندما تكتشف السلطة أن صواريخها لا تستطيع إخماد “جوع الناس” ولا “رغبتهم في الحرية”، حينها يكون السقوط وشيكاً لقد أهدرت هذه الأنظمة عقوداً من عمر شعوبها، والسبب بسيط وعميق في آن واحد: نظام لا يحترم شعبه، لا يحترم التاريخ، ولن يطرح شجر “المُر” إلا “المُر”.
