سلطة حرب تخاف من السلام: لماذا ترفض بورتسودان مؤتمر برلين؟
افتتاحية الحقيقة 24
ليس في المذكرة التي سلّمتها سفيرة السودان في برلين إلى الخارجية الألمانية ما يوحي بأن سلطة الأمر الواقع في بورتسودان معنية فعلاً بسلامٍ عادل أو بإنهاء الكارثة الوطنية التي تلتهم السودان منذ أكثر من عامين. على العكس تماماً، فإن اللغة التي صيغ بها الموقف، والتهديدات المبطنة التي ختم بها، وطبيعة الحجج التي بُني عليها، كلها تكشف أن القضية بالنسبة لهذه السلطة ليست الدفاع عن السيادة، بل الدفاع عن احتكار التمثيل، واحتكار القرار، واحتكار الحرب نفسها.
هذا ليس موقف دولة واثقة من مشروعها الوطني، بل موقف سلطة مأزومة ترى في أي مسار سياسي لا تتحكم في مفاصله خطراً مباشراً عليها. لذلك فهي لا تنظر إلى مؤتمر برلين باعتباره فرصة لسد فجوة دولية في ملف السودان، ولا باعتباره منصة يمكن أن تفتح نافذة ضغط من أجل وقف الحرب وحماية المدنيين، بل باعتباره تهديداً سياسياً ينبغي إفشاله مسبقاً لأنه قد يعيد تعريف الأزمة بوصفها أزمة شعب ودولة منهارة، لا مجرد معركة تخوضها سلطة عسكرية باسم الدولة.
جوهر الاعتراض الذي أعلنته حكومة بورتسودان يقوم على فكرة واحدة: لا يجوز مناقشة مستقبل السودان دونها. وهذه في ظاهرها حجة سيادية، لكنها في حقيقتها حجة احتكارية. فالدولة ليست هي السلطة القائمة، والسودان ليس هو الحكومة التي تتحدث باسمه من موانئ الحرب وخنادق التعبئة. حين تتحول الدولة إلى جهاز تعبئة حربية، وتتحول الدبلوماسية إلى ذراع في معركة شرعية، يصبح استدعاء السيادة مجرد ستار لغلق الباب أمام أي جهد يفرض مساءلة سياسية أو يحد من سلطة المتحكمين في مسار الحرب.
السيادة، في معناها الوطني الجاد، لا تُستخدم لإطالة أمد النزاع، ولا لتجريم كل محاولة دولية تبحث عن مخرج، ولا لرفض أي منصة لا تمنح السلطة القائمة حق الفيتو الكامل على شكل الحضور ومضمون النقاش والنتائج المحتملة. السيادة الحقيقية تُقاس بقدرة الدولة على حماية مواطنيها، وصون أراضيها، ومنع انهيار مؤسساتها، وتأمين وصول الغذاء والدواء والنجاة للمدنيين. أما حين تعجز السلطة عن كل ذلك، ثم تطالب العالم بالاعتراف الحصري بتمثيلها، فهي لا تدافع عن السيادة، بل تطالب بحصانة سياسية من المساءلة.
المفارقة الفاضحة أن السلطة التي تحتج اليوم على التداول في شأن السودان من دون موافقتها، هي ذاتها سلطة لم تحصل على تفويض شعبي، ولم تأت عبر توافق وطني جامع، ولم تُبد استعداداً حقيقياً لإطلاق عملية سياسية مدنية مستقلة عن الحسابات العسكرية والأمنية. وهي فوق ذلك تريد من المجتمع الدولي أن يتعامل معها باعتبارها الممثل الوحيد والنهائي للدولة، حتى بينما البلاد ممزقة، والمؤسسات مشلولة، والمجتمع منهك، والخراب يتمدد في كل اتجاه.
الأخطر في هذه المذكرة ليس رفض المؤتمر في ذاته، بل المنطق الذي يحكم هذا الرفض. فحين تقول السلطة، ضمناً أو صراحة، إن أي مسار سلام لا يمر عبرها وبشروطها هو اعتداء على الشرعية، فإنها تعلن بوضوح أن السلام المقبول بالنسبة لها ليس السلام الذي يوقف الحرب، بل السلام الذي يعيد إنتاج هيمنتها. أي أنها لا تريد تسوية تنهي الكارثة، وإنما تسوية تكرّس موقعها في مركز القوة، وتُبقي على بنية الحرب بوصفها أداة حكم وضبط وإقصاء.
من هنا، فإن تفنيد موقف بورتسودان يبدأ من تفكيك المغالطة المركزية في خطابها: المساواة المتعمدة بين الدولة والسلطة. لا أحد ينكر أن الدولة السودانية يجب أن تكون حاضرة في أي مسار يناقش مستقبل البلاد. لكن السؤال الحاسم هو: من الذي يحتكر التحدث باسم هذه الدولة اليوم؟ وهل الحكومة القائمة في بورتسودان، بما هي عليه من طبيعة عسكرية وتعبوية وافتقار إلى الشرعية التوافقية، تمثل الدولة السودانية بكل تعقيداتها ومكوناتها وتنوعها السياسي والاجتماعي؟ أم أنها تمثل، بدرجة كبيرة، معسكر الحرب الذي نجح في الإمساك بمفاصل القرار الرسمي وتقديم نفسه للعالم بوصفه الدولة ذاتها؟
هذه النقطة بالذات هي ما تحاول المذكرة طمسه. فهي لا تريد الاعتراف بأن السودان صار، بفعل الحرب، أكبر من السلطة التي تدير المعركة باسمه، وأن البحث الدولي عن مخارج للأزمة ليس عدواناً على الدولة، بل استجابة لفشل النخب المتحاربة في إنتاج حل وطني. بل إن إصرار السلطة على نزع الشرعية عن أي مسعى لا يبدأ من بوابتها يكشف خوفاً واضحاً من أن يتشكل مسار سياسي يضع في الاعتبار أصوات المدنيين والضحايا والنازحين والقوى المجتمعية والسياسية التي همشتها آلة الحرب.
أما حديثها عن رفض “المساواة بين الدولة ومليشيا إرهابية”، فهو، رغم شحنته التعبوية، لا يعالج جوهر الأزمة. نعم، لا يجوز تطبيع الجرائم ولا تبييض الانتهاكات ولا منح أي طرف مسلح صك براءة سياسية. لكن إنهاء الحروب الأهلية لا يتم بالشعارات، بل بالمسارات السياسية المعقدة التي تتعامل مع الوقائع كما هي لا كما ترغب السلطة في تصويرها. فإذا كانت الحرب قد خلقت واقعاً عسكرياً وسياسياً مدمراً، فإن أي مسار جاد لوقفها لا بد أن يتعامل مع أطرافها الفعلية، لا أن ينكر وجودها لأن مجرد الاعتراف بها يحرج الخطاب الرسمي.
الخلط المقصود هنا هو بين التفاوض والتشريع، وبين الانخراط في تسوية واعتبار ذلك مساواة أخلاقية أو وطنية. التفاوض ليس جائزة، وليس شهادة حسن سلوك، بل أداة قسرية لوقف النزيف حين يستحيل الحسم وتتعاظم كلفة الاستمرار. والسلطة التي ترفض هذا المنطق، وتتمسك بلغة التعبئة القصوى، لا تدافع عن كرامة الدولة بقدر ما تتهرب من استحقاق السلام.
ثم إن المذكرة تعترض على دعوة دول “ضالعة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في الحرب”، كأن هذا الاعتراض ينطلق من مبدأ ثابت لا من انتقائية سياسية. والحقيقة أن المشهد السوداني خلال هذه الحرب كان مسرحاً لتقاطعات إقليمية ودولية معروفة، ولم تبد سلطة بورتسودان حساسية مماثلة تجاه كل التدخلات، بل تعاملت مع بعضها بوصفه دعماً مشروعاً أو ضرورة سياسية أو سنداً استراتيجياً. وعليه فإن الاعتراض هنا لا يبدو دفاعاً مبدئياً عن استقلال القرار الوطني، بقدر ما يبدو محاولة لتجريم الأطراف غير المنسجمة مع حسابات السلطة، والإبقاء على ما يخدم تموضعها داخل معسكر الحرب.
لهذا كله، فإن قراءة الموقف المعلن لا تكتمل من دون النظر إلى البنية السياسية والفكرية التي تؤثر على القرار في بورتسودان. فمن الصعب فهم هذا التشدد الإقصائي، وهذه اللغة المتصلبة، وهذه الحساسية المرضية تجاه أي منصة دولية مستقلة نسبياً، من دون الالتفات إلى النفوذ الواسع الذي تمارسه قوى الإسلام السياسي المرتبطة بالتنظيم الإخواني داخل مؤسسات الدولة، وخصوصاً داخل شبكات الخارجية والإعلام والتعبئة ومراكز التأثير المحيطة بالمؤسسة العسكرية. وقد لا تكون كل خيوط القرار مرئية بالكامل، لكن من الواضح أن خطاب سلطة الحرب بات مشبعاً بمنطق هذه القوى: مصادرة التمثيل الوطني، تخوين المجال السياسي المدني، تحويل أي مبادرة خارج السيطرة إلى مؤامرة، وتغليف مشروع الهيمنة بلغة السيادة والكرامة الوطنية.
هذه القوى لا ترى في السلام مصلحة إلا إذا كان سلماً يعيدها إلى مركز الدولة. ولا ترى في التفاوض ضرورة إلا إذا انتهى إلى استيعاب الجميع تحت سقفها. ولا ترى في المجتمع الدولي شريكاً إلا حين يمنحها الشرعية ويصمت عن طبيعة نفوذها داخل الجيش وأجهزة الدولة. لذلك يبدو منطقياً، من منظورها، أن يُستقبل مؤتمر برلين بهذا العداء: لأنه قد يفتح باباً لعملية سياسية تتجاوز احتكارها، أو على الأقل تكشف أن السودان ليس مزرعة حصرية لمعسكر يتحدث باسم الجيش والدولة والدين والسيادة في آنٍ واحد.
إن أخطر ما فعلته هذه الحرب أنها أعادت خلط المؤسسة العسكرية بالدولة، والدولة بالأيديولوجيا، والسيادة بالنجاة السلطوية. وبدلاً من أن تعمل القيادة القائمة على تحرير الجيش من أسر المشروع السياسي للإسلاميين، وعلى رد الاعتبار لمؤسسات وطنية مهنية، وعلى فتح المجال أمام عملية تأسيس مدنية شاملة، فإنها مضت في الاتجاه المعاكس: تعميق عسكرة القرار، وإعلاء الصوت التعبوي، ومراكمة خطاب يبرر إدامة الحرب بوصفها واجباً وطنياً لا خياراً سياسياً قابلاً للنقد والمراجعة.
ومن هنا فإن رفض مؤتمر برلين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه حادثة دبلوماسية معزولة، بل باعتباره تعبيراً مركزياً عن استراتيجية أوسع: استراتيجية إجهاض أي مسار سلام لا يضمن لسلطة بورتسودان ومن يقفون خلفها التحكم الكامل في المخرجات. إنها سلطة لا تريد سلاماً يفتح باب الانتقال، بل تهدئة مشروطة تعيد ترتيب موازين القوة لمصلحتها. لا تريد وقفاً للحرب يفضي إلى مساءلة شاملة حول من أوصل السودان إلى هذا القاع، بل تريد إدارة للحرب تمنحها أفضلية تفاوضية لاحقة. لا تريد شراكة وطنية جديدة، بل تريد اعترافاً دولياً بأنها وحدها الدولة، وأن خصومها وحدهم سبب المأساة، وأن على السودانيين والعالم الاصطفاف خلفها بلا شروط.
لكن السودان أكبر من هذا الابتزاز. وأزمة السودان أعمق من أن تحتكر تفسيرها سلطة نجت إلى الساحل وتريد أن تحكم الخراب من هناك. فالحل الحقيقي لا يمر عبر إعادة تأهيل سلطة الحرب، ولا عبر منح أي طرف حق احتكار الوطنية، ولا عبر التسليم بأن من يحمل السلاح ويسيطر على الختم الرسمي يملك وحده حق تقرير مصير الملايين. الحل يبدأ من الإقرار بأن الحرب دمّرت شرعية الجميع، وأن أي مخرج جاد يجب أن يُبنى على أولوية المدنيين، ووقف النار، وحماية السكان، وفتح الممرات الإنسانية، وتفكيك بنية الحرب، وإطلاق عملية سياسية لا تكون فيها الدولة رهينة للعسكر ولا رهينة للإسلاميين ولا رهينة للداعمين الخارجيين.
ولهذا فإن الموقف السليم من مؤتمر برلين، أو من أي منصة مشابهة، ليس التقديس ولا الرفض الأعمى، بل التقييم الصارم بحسب قدرتها على خدمة هذه الأهداف. أما أن تُرفض لأنها لا تمنح حكومة الأمر الواقع حق الوصاية المطلقة على مستقبل السودان، فذلك ليس دفاعاً عن السودان، بل دفاع عن سلطة تخشى أن يبدأ السلام من خارج إرادتها.
في النهاية، ليست المشكلة أن مؤتمر برلين ناقص أو محدود أو تحكمه حسابات دولية؛ فكل المبادرات الدولية كذلك بدرجات متفاوتة. المشكلة الحقيقية أن سلطة الحرب في بورتسودان تريد للسودانيين أن يصدقوا أن لا طريق إلى السلام إلا عبر البوابة التي أوصلتهم إلى هذا الدمار. وتلك، في جوهرها، هي أخطر كذبة سياسية في هذه المرحلة.
لأن الحقيقة أبسط وأقسى: من يستثمر في الحرب لا يمكنه أن يقود السلام وحده. ومن يصادر الدولة لا يحق له أن يتحدث باسمها بلا منازع. ومن يخاف من أي منبر لا يسيطر عليه، إنما يكشف، من حيث لا يريد، أن ما يخشاه ليس التدخل الخارجي، بل احتمال أن يفقد احتكاره الداخلي للحرب والقرار والمصير.
