بقلم: مهدي داود الخليفة

محرر بوقع “الحقيقة 24”

​مع حلول الذكرى الأليمة لاندلاع الحرب في السودان، تتجه أنظار المجتمع الدولي نحو العاصمة الألمانية، حيث يُعقد مؤتمر برلين في 15 أبريل 2026. هذا التحرك لا يُصنف كونه مجرد لقاء دبلوماسي عابر، بل يُمثل واحدة من أهم المناورات الدولية لإعادة توجيه البوصلة السودانية التي تاهت بين جبهات القتال؛ فهو ليس مؤتمراً تقليدياً للسلام، بل منصة استراتيجية لإعادة تعريف الأزمة.

تحالف دولي عريض وتنسيق واسع

​تقود ألمانيا هذا الحراك بالشراكة مع تحالف دولي يضم ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً، حيث يشهد المؤتمر تمثيلاً رفيع المستوى يتجاوز 25 وزير خارجية، بالإضافة إلى:

  • القوى الغربية الكبرى: الولايات المتحدة، فرنسا، والمملكة المتحدة، إلى جانب الاتحاد الأوروبي.
  • المنظمات الدولية والإقليمية: حضور فاعل للأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، منظمة “إيقاد”، وجامعة الدول العربية.
  • الشركاء الإقليميون: تنسيق رفيع مع دول الجوار والمنطقة (مصر، السعودية، الإمارات) وكندا.

التمثيل السوداني: الحاضرون والغائبون

​في خطوة لافتة، يشارك في المؤتمر حوالي 40 شخصية سودانية تمثل القوى المدنية، منظمات المجتمع المدني، وشخصيات مستقلة. وفي المقابل، يبرز الغياب أو الرفض الرسمي للحكومة السودانية الحالية، مما يعزز فرضية رغبة المجتمع الدولي في بناء مسار موازٍ للسلطة القائمة.

أهداف المؤتمر: ثلاثة مسارات لإدارة الأزمة

​يمكننا قراءة أهداف برلين من خلال ثلاثة محاور رئيسية يسعى المجتمع الدولي لفرضها:

المسار السياسي (القلب النابض للمؤتمر): يهدف المؤتمر إلى نقل “مركز الثقل” من الجنرالات إلى القوى المدنية. الهدف هنا ليس جمع الجيش والدعم السريع على طاولة واحدة، بل تأسيس بديل مدني يمتلك “ملكية سودانية” للعملية السياسية، ومحاولة توحيد شتات القوى المدنية في منصة واحدة.

المسار الإنساني (الاستجابة للواقع): يسعى المؤتمر لحشد تمويل دولي عاجل، مع التركيز على دعم الشبكات المحلية مثل “غرف الطوارئ” لضمان وصول الإغاثة للمناطق المنكوبة التي تعاني من انسداد مسارات المساعدات التقليدية.

المسار الأمني: الضغط باتجاه تهدئة تتيح وقف إطلاق نار إنساني، وتنسيق الضغوط الدولية لرفع تكلفة استمرار الحرب على الأطراف المتقاتلة.

ما الذي يجعل “برلين” مختلفاً؟

​يكمن التميز في هذا المؤتمر في قدرته على الدمج بين السياسي والإنساني في آن واحد. فاختيار تاريخ 15 أبريل (ذكرى اندلاع الحرب) يحمل رسالة سياسية رمزية مفادها أن العالم لم ينسَ السودان، وأن الحل يبدأ بمنح القوى المدنية دوراً محورياً وليس ثانوياً.

قراءة في التوقعات: بين التفاؤل والواقعية

​من الضروري إدراك أن مؤتمر برلين لن يضع حداً فورياً للحرب بلمسة سحرية، لكن القيمة الحقيقية تكمن في قدرته على:

  • ​صياغة إطار مدني جديد يملأ الفراغ السياسي.
  • ​إعادة ترتيب وتوحيد المبادرات الدولية المشتتة.
  • ​تحويل الأزمة في نظر العالم من مجرد “صراع عسكري” إلى “عملية سياسية مدنية مدعومة إنسانياً”.

​إن نجاح “مقامرة برلين” السياسية يظل رهيناً بعاملين حاسمين؛ أولهما قدرة القوى المدنية السودانية على تجاوز خلافاتها والتوحد خلف رؤية مشتركة، وثانيهما مدى استجابة الأطراف العسكرية لضغط دولي تقوده عواصم تمتلك أوراقاً اقتصادية وسياسية قوية.

هل ستكون برلين نقطة الانطلاق نحو الدولة المدنية، أم ستظل مجرد محطة أخرى في قطار المبادرات المتعثرة؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *