الشهادة السودانية – معركة السيادة التعليمية وهيبة الدولة
بقلم : عروة الصادق
انطلقت امتحانات الشهادة السودانية، في مشهد يتجاوز حدود الاستحقاق التعليمي المعتاد، ويتحوّل إلى اختبار سيادي شامل يمتحن ضمير الدولة، ويقيس تماسك المجتمع، ويكشف قدرة السودانيين على حماية حق أبنائهم وبناتهم في المستقبل وسط واقع مثقل بالحرب، والتشظي، والضغوط المركّبة، هذا الامتحان لم يعد مجرد عملية تعليمية دورية، وإنما صار ساحة مكثفة تتقاطع فيها أسئلة البقاء الوطني مع أسئلة العدالة والكرامة والمعنى المدني للدولة.
لم تعد الامتحانات أوراقًا تُوزّع وقاعات تُفتح ومراقبين يُكلّفون، بل غدت معركة بقاء معرفي، ومواجهة صريحة مع احتمالات الانهيار التربوي، وخط الدفاع الأخير عن فكرة السودان كدولة قابلة للحياة، الطالب الذي يجلس اليوم إلى مقعد الامتحان، داخل البلاد أو خارجها، يواجه أكثر من اختبار، يواجه سؤال المعرفة، وسؤال الصمود، وسؤال الانتماء، وسؤال هل ما تزال هذه الدولة قادرة على أن تحمي مسار أجيالها من الانحدار إلى الفراغ.
الطلاب والطالبات، ومعهم الأسر، حملوا أعباءً تفوق القدرة الطبيعية لهذه المرحلة العمرية، أعباء نفسية ومادية وجسدية، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار، ما يجري يتجاوز توصيف موسم امتحانات، ليأخذ شكل استنزاف وطني صامت تُدفع كلفته من أعصاب الناس وصحتهم وكرامتهم واستقرارهم، ومع ذلك استمروا، وهذه الاستمرارية تمثل شهادة أخلاقية وتاريخية لصالحهم، تعكس عمق الرصيد المجتمعي الذي ما يزال يقاوم الانهيار.
في دول الجوار، برز تفاوت واضح بين مراكز أُديرت بكفاءة نسبية بفضل مبادرات مجتمعية واعية، ومراكز أخرى كشفت اختلالات تنظيمية حادة، من بينها تأخر تسليم البطاقات حتى اليوم الأول للامتحانات، واللجوء إلى معالجات اضطرارية في اللحظات الأخيرة، هذه الوقائع لا يمكن اختزالها في توصيفات إجرائية، وإنما تعكس هشاشة في بنية الإدارة التعليمية خارج الحدود، وتؤكد الحاجة إلى انتقال نوعي نحو عقيدة تشغيلية جديدة تقوم على التخطيط المسبق، والانضباط المؤسسي، وصون كرامة الطالب، بدل دفعه إلى اختبار احتمالات الإخفاق قبل بدء الامتحان.
في جمهورية مصر، ظهر مشهد يستدعي مراجعة دقيقة لسلوك الفضاء المحيط بالامتحان، تكدس أولياء الأمور بالصورة التي استدعت تنبيه السلطات يعكس خللًا في إدارة السلوك الجماهيري، وقصورًا في تنظيم العلاقة بين الأسرة ومؤسسات الامتحان، القلق مفهوم، والدعم مشروع، غير أن تحويل محيط الامتحان إلى حالة ضغط وفوضى ينعكس سلبًا على الطلاب ويضر بصورة السودانيين في بيئة الاستضافة، الوطنية هنا تُقاس بالانضباط، وبالوعي، وبالقدرة على تحويل الدعم إلى قيمة منظمة تحمي العملية التربوية.
غير أن المسألة الأعمق، والأشد خطورة، تتجسد في استبعاد قطاعات واسعة من الطلاب والمعلمين من العملية التعليمية، عبر سياسات تربط الحق في التعليم والمرتب بسياقات الصراع، هذا المسار يمثل انزلاقًا خطيرًا من منطق الدولة إلى منطق الاشتباه الجمعي، ويؤسس لعقوبة جماعية تمس جوهر المواطنة، الطالب لا يتحمل تبعات الحرب، والمعلم ليس طرفًا في معادلاتها، ومع ذلك يُدفع الاثنان إلى هامش الحرمان، هذه ليست إدارة أزمة، وإنما تفكيك هادئ للبنية الوطنية عبر التعليم.
ما يجري يمكن توصيفه بدقة باعتباره تمييزًا تربويًا ذا طابع سياسي، يقود إلى خلق فجوات معرفية ممتدة، ويعيد إنتاج عدم المساواة على أساس الجغرافيا والانتماء الاجتماعي، هذا المسار يهدد بتشكيل أجيال متباعدة في الفرص والمعرفة والانتماء، وهو ما يحمل تداعيات استراتيجية على وحدة الدولة واستقرارها في المدى الطويل، التعليم في جوهره حق سيادي غير قابل للتجزئة، وأي مساس به ينعكس مباشرة على بنية الدولة ومشروعية وجودها.
من هذه الزاوية، يصبح التعامل مع ملف الشهادة السودانية ضرورة تتجاوز الإطار الإداري، ويتطلب إعادة تعريفه باعتباره ملف أمن قومي مدني، الانتقال المطلوب يتمثل في التحول من إدارة الأزمة بمنطق التسكين المؤقت إلى بناء منظومة استعادة وطنية للتعليم، تقوم على عدة مرتكزات مترابطة، إلغاء أي ربط بين الحق التعليمي وخريطة الصراع، بناء منصة قومية موحدة لإدارة الامتحانات داخل البلاد وخارجها بكفاءة وشفافية، تنظيم دور المجتمعات والأسر ضمن إطار منضبط يحفظ الهدف، وترسيخ مبدأ العدالة التعليمية بوصفه قاعدة لا تقبل الانتقاص.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى ما يمكن تسميته بالميثاق القومي للنجاة التعليمية، إطار جامع يقر بأن المدرسة خارج دائرة الاستهداف، وأن الامتحان خارج معادلات الاستقطاب، وأن الطالب خارج دوائر التصنيف السياسي، وأن المعلم خارج دائرة العقاب، هذا الميثاق يمثل نقطة انطلاق لإعادة بناء الثقة في فكرة الدولة، ويؤسس لردع وطني ضد كل أشكال التمييز التعليمي، ويعيد توجيه الطاقة المجتمعية نحو حماية المسار التربوي.
من منظور استراتيجي أوسع، فإن حماية الشهادة السودانية تعني حماية القدرة المستقبلية للدولة على إعادة إنتاج نفسها، الدول التي تفقد نظامها التعليمي تفقد تدريجيًا قدرتها على إعادة بناء مؤسساتها، وعلى إدارة تنوعها، وعلى الحفاظ على تماسكها، لذلك فإن الاستثمار في التعليم، حتى في ظروف الحرب، لا يُقرأ كخدمة اجتماعية، وإنما كخيار وجودي يتعلق باستمرارية الدولة.
كما أن استمرار هذا الوضع دون معالجة جذرية سيقود إلى تشكّل طبقة حرمان معرفي واسعة، وهو ما قد يتحول في المستقبل إلى مصدر توتر اجتماعي وسياسي يصعب احتواؤه، العدالة التعليمية هنا ليست مطلبًا أخلاقيًا فحسب، وإنما شرط للاستقرار طويل الأمد، وأداة لمنع تفكك البنية الوطنية.
الخلاصة التي تفرض نفسها بوضوح، لا تمييز في التعليم، لا عقوبة جماعية على الطلاب، لا حرمان للمعلمين من حقوقهم، لا فوضى في إدارة الامتحانات، لا ارتجال في ملف يمس مصير جيل كامل.
المسار الصحيح يبدأ من إعادة تثبيت التعليم كقضية قومية عليا، فوق النزاع، وفوق الجغرافيا، وفوق الحسابات الضيقة، فإما أن تُصان الشهادة السودانية باعتبارها عهدًا وطنيًا مع المستقبل، وإما أن يُفتح الباب لانهيار أعمق يمس فكرة الدولة نفسها.
إن الأمة التي تحمي امتحانها تحمي قرارها، والأمة التي تصون تعليمها تؤمّن غدها، وفي هذه اللحظة يتحدد المسار بوضوح، إما استعادة السيادة التعليمية كجزء من استعادة الدولة، أو ترك المجال لانحدار يصعب تداركه لاحقًا.
