مؤتمر برلين حول السودان: بين سوء الفهم وإعادة إنتاج الأزمة

 

بقلم : مهدي داود الخليفة

 

يبدو أن جانبًا معتبرًا من الجدل الدائر حول مؤتمر برلين المزمع عقده في15 أبريل 2026 لا يرتبط بطبيعة المؤتمر بقدر ما يعكس أزمة أعمق في فهم طبيعة التحولات الجارية في مقاربة المجتمع الدولي للأزمة السودانية. فبعض الأصوات المعارضة، لا تكتفي بقراءة قاصرة لطبيعة المؤتمر، بل تعيد إنتاج ذات المنطق الذي أسهم في إطالة أمد الحرب.

 

ينطلق هذا الطرح من افتراض تقليدي مفاده أن أي جهد دولي يجب أن يُدار عبر الحكومة بوصفها “صاحب الشأن”. غير أن هذا الافتراض، في السياق السوداني الراهن، لم يعد مجرد تبسيط مخل، بل أصبح جزءًا من المشكلة نفسها؛ إذ يتجاهل حقيقة أن احتكار تعريف “صاحب الشأن” من قبل أطراف مرتبطة بالحرب هو أحد الأسباب الجوهرية لاستمرارها.

 

يتزامن انعقاد مؤتمر برلين مع دخول الحرب عامها الرابع، في وقت تتآكل فيه الدولة السودانية وتتراجع فيه مقومات بقائها. ويأتي ذلك بالتوازي مع تحولات دولية لافتة، من بينها القرار الأمريكي باعتبار جماعة الإخوان المسلمين السودانية تنظيمًا إرهابيًا، وهو تطور يعيد رسم حدود المقبول سياسيًا على المستوى الدولي.

 

ويتزامن انعقاد المؤتمر كذلك مع تطورات إقليمية ودولية بالغة الحساسية، من بينها بداية تشكّل ما يمكن وصفه بـ”حرب الممرات البحرية”، في ظل تصاعد التوتر في البحر الأحمر مع تهديد جماعة الحوثيين، الحليف الإقليمي لإيران، لحركة الملاحة الدولية. كما يتقاطع ذلك مع مؤشرات على انخراط أمريكي متزايد في تأمين خطوط الإمداد البحرية، بما يشبه فرض حصار بحري غير مباشر في بعض مناطق التوتر.

 

وفي هذا السياق، تكتسب الأزمة السودانية بُعدًا يتجاوز حدودها الوطنية، إذ يصبح موقع السودان على البحر الأحمر عاملًا استراتيجيًا لا يمكن تجاهله. غير أن المفارقة تكمن في أن الدولة السودانية، في وضعها الراهن، تبدو عاجزة عن الاضطلاع بهذا الدور، سواء من حيث ضبط أمن سواحلها أو حماية مصالحها السيادية في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

 

هذا العجز لا يعكس فقط هشاشة الوضع الأمني، بل يكشف أيضًا عن عمق أزمة الدولة نفسها، حيث لم تعد مسألة السيادة مرتبطة بالخطاب السياسي، بل بالقدرة الفعلية على ممارسة السيطرة وحماية المجال الحيوي للدولة. وهنا تحديدًا تبدأ عملية تدويل الأزمة السودانية في معناها الحقيقي: ليس كنتيجة لتدخل خارجي فحسب، بل كحصيلة مباشرة لفراغ داخلي يفتح المجال أمام قوى إقليمية ودولية لإعادة تعريف مصالحها داخل السودان وحوله.

 

وعليه، فإن أي مقاربة دولية للأزمة السودانية—بما في ذلك مؤتمر برلين—لا يمكن فصلها عن هذه التحولات، ولا عن المخاوف المتزايدة من تحوّل السودان إلى فراغ جيوسياسي مفتوح على صراعات إقليمية أوسع، خاصة في ظل ارتباط أمن البحر الأحمر بأمن الطاقة والتجارة العالمية.

 

وفي هذا السياق، يصبح من المشروع التساؤل: لماذا تصر بعض الخطابات على التمسك بخيارات أثبتت فشلها، بل وتدفع—بشكل مباشر أو غير مباشر—نحو استمرار الحرب، حتى ولو كان الثمن هو تفكك الدولة نفسها؟

 

إن الدفاع عن استمرار الصراع، أو تبريره تحت لافتات سيادية أو أيديولوجية، لم يعد يُقرأ كاختلاف في الرأي، بل كمساهمة موضوعية في تعميق الأزمة.

 

مؤتمر برلين ليس منصة تفاوض مباشر بين أطراف الحرب، ولا يدّعي أنه بديل للمسارات الرسمية. لكنه، في جوهره، يمثل محاولة لتصحيح مسار سياسي ظل مختطفًا من قبل الفاعلين العسكريين.

 

إن نقل مركز الثقل نحو الفاعلين المدنيين لا يُعد إقصاءً، بل استعادةً لتوازن مفقود. أما الإصرار على حصر العملية السياسية في الأطراف التي صنعت الحرب، فهو إصرار على إعادة تدوير الأزمة لا حلها.

 

السؤال الذي يطرحه المعارضون حول غياب الحكومة لا ينطلق من قراءة واقعية لتعقيدات المشهد، بل من افتراض غير محسوم بشرعية تمثيل هذه الحكومة لكافة السودانيين.

 

وفي السياقات التي تتآكل فيها الشرعية، يصبح توسيع قاعدة المشاركة السياسية ضرورة، لا ترفًا. وعليه، فإن إشراك القوى المدنية ومنظمات المجتمع المدني ليس تجاوزًا للدولة، بل محاولة لإعادة بنائها على أسس أكثر شمولًا.

 

إن استدعاء مؤتمر برلين 1884 أو عقدة الهولوكوست كما ذكرها البعض لتفسير مؤتمر معاصر يعكس ميلًا إلى التهويل أكثر منه إلى التحليل. فمثل هذه المقارنات، رغم جاذبيتها الخطابية، تُغفل الفوارق البنيوية العميقة بين سياق استعماري كلاسيكي ونظام دولي معاصر تحكمه توازنات متعددة الأطراف.

 

والأخطر من ذلك أنها تُستخدم أحيانًا كأداة لتعبئة خطاب رفضي يفتقر إلى بدائل عملية.

 

خلافًا للطرح الذي يصوّره كمسار موازٍ يطيل أمد الحرب، يسعى مؤتمر برلين إلى تحقيق ثلاثة أهداف مترابطة:

 

إعادة تعريف العملية السياسية باعتبارها عملية مدنية في المقام الأول

حشد دعم إنساني منظم يخفف من الكارثة المتفاقمة

تنسيق ضغط دولي أكثر فاعلية على أطراف الحرب

وبالتالي، فإن تصوير المؤتمر كعامل إطالة للصراع يتجاهل أن غياب مثل هذه المنصات هو ما أتاح للأطراف العسكرية الاستمرار دون تكلفة سياسية كافية.

 

الاستناد إلى إخفاقات مؤتمرات سابقة لتقويض مؤتمر برلين يعكس قراءة انتقائية لا تأخذ في الاعتبار الفروق الجوهرية في التوقيت والسياق.

 

فالمؤتمر الحالي يأتي في لحظة إنهاك عسكري واضح،لطرفي الحرب، ومع إدراك دولي متزايد بأن استبعاد القوى المدنية كان أحد أسباب فشل المبادرات السابقة.

 

وبالتالي، فإن رفضه استباقًا لا يُعبّر عن حرص على النجاح بقدر ما يعكس تمسكًا بنماذج ثبت عجزها.

 

إن الاحتجاج بمفهوم السيادة لرفض المؤتمر يطرح مفارقة جوهرية:

 

كيف يمكن الحديث عن سيادة في ظل حرب مفتوحة، وانهيار مؤسسات الدولة، واعتماد متزايد على الدعم الخارجي؟

 

إن السيادة لا تُصان بالشعارات، بل بإنهاء الحرب واستعادة الدولة. وأي جهد دولي يسهم في ذلك—ولو بشكل غير مباشر—هو دعم للسيادة، لا انتقاص منها.

 

مؤتمر برلين ليس الحل، لكنه قد يكون بداية الخروج من دائرة مغلقة ظلت تُدار بنفس الأدوات ونفس الخطابات التي قادت إلى الكارثة.

 

أما الخطابات التي تهاجمه انطلاقًا من غياب الحكومة، أو استدعاء مخاوف تاريخية مبالغ فيها، فهي—عن قصد أو دون قصد—تدافع عن بقاء الوضع القائم أكثر مما تدافع عن تغييره.

 

والسؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: من دُعي ومن لم يُدعَ؟

 

بل:

 

من يملك الشجاعة للقبول بتغيير قواعد اللعبة، ومن لا يزال يستثمر في بقائها كما هي؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *