بقلم : عروة الصادق
لم يعد غرق قارب قبالة طبرق خبرًا إنسانيًا محدودًا في سجل المآسي البحرية، إنّه علامة دامغة على انتقال الأزمة السودانية من حدود الحرب الداخلية إلى فضاء أوسع من الفقد، الصحراء، والبحر، ومخيمات اللجوء، وممرات التهريب، ومراكز الاحتجاز، وأسواق الاستغلال، فالشاب السوداني الذي يضع حياته داخل قارب متهالك لا يغادر وطنًا فقط، إنه يغادر منظومة كاملة فقدت قدرتها على حمايته، وتعليمه، وتشغيله، ومنحه سببًا معقولًا للبقاء.
الهجرة غير المنظمة في السياق السوداني ليست قرارًا فرديًا معزولًا، ولا مغامرة طائشة كما يصفها الخطاب السطحي، إنها نتيجة مركبة لمسار طويل من تدمير شروط الحياة، بدأت جذورها في حقبة الاستبداد والتمكين، حيث جرى تفكيك الاقتصاد المنتج، وإضعاف التعليم، وإفساد الخدمة العامة، ومصادرة النقابات، وخنق المجال المدني، وتحويل الدولة إلى شبكة ولاء لا إلى مؤسسة حقوق، ثم جاءت الحرب الحالية فأكملت الحلقة القاتلة، مدن مدمرة، أسر ممزقة، تعليم متوقف، عمل مفقود، أمان غائب، وطرق قانونية شبه مغلقة أمام الشباب.
من هنا يجب قراءة مأساة طبرق، ليست قاربًا غرق في البحر، وإنما بلدٌ دفع أبناءه إلى البحر، ليست حادثة إنقاذ لسبعة وفقدان آخرين فقط، وإنما كشفٌ قاسٍ عن انهيار العقد غير المكتوب بين الدولة وجيل كامل، فالشباب الذين كانوا يفترض أن يكونوا مادة البناء الوطني صاروا مادة للفقد، في الجبهات، وفي طرق النزوح، وفي المعتقلات، وفي الصحراء، وفي قاع المتوسط.
الخطر الأكبر أن الهجرة غير المنظمة مرشحة للتصاعد لا للتراجع، فكل يوم إضافي من الحرب ينتج موجة جديدة من اليأس، وكل تضييق على اللاجئين السودانيين في بعض دول الجوار يدفع فئات أوسع إلى الطرق السرية، وكل تدهور في الأوضاع الاقتصادية أو القانونية للاجئين يفتح سوقًا أوسع للمهربين، وكل خطاب رسمي يتعامل مع الهجرة كمسألة حدودية فقط يفاقم المشكلة، لأن الشباب لا يغامرون بحياتهم حبًا في العبور، وإنما هربًا من انسداد الحياة.
ينبغي أن يدرك العالم أن السودان أمام خطر ديمغرافي واجتماعي عميق، هجرة الشباب بهذا المعدل لا تعني فقدان أفراد فقط، وإنما نزيف طاقة وطنية مؤهلة لحمل الإعمار، واستعادة الإنتاج، وتجديد السياسة، وبناء السلام، كل قارب يغرق يحمل معه عمالًا محتملين، طلابًا، معلمين، أطباء، حرفيين، مزارعين، مهندسين، قادة مجتمعيين، وأحلام أسر كاملة، إنها خسارة في الأرواح، وخسارة في المستقبل، وخسارة في قدرة المجتمع على النهوض بعد الحرب.
وتزداد الخطورة لأن الهجرة غير المنظمة لا تبدأ من الساحل، تبدأ من لحظة فقدان الدخل، من إغلاق الجامعة، من سقوط البيت، من الطرد من العمل، من العجز عن إعالة الأسرة، من الخوف من الاعتقال أو التجنيد أو الاستهداف، من انكسار الكرامة داخل المخيم أو دولة اللجوء، البحر آخر محطة في سلسلة طويلة من الإخفاقات السياسية والاقتصادية والأمنية، لذلك فإن مكافحة الهجرة بالقوارب فقط تشبه معالجة النزيف بتغطية الجرح دون وقف مصدر القطع.
المطلوب سودانيًا يبدأ بإنهاء الحرب، باعتباره إجراء إنقاذ مباشر لحياة الشباب، وقف الحرب هو أول سياسة لمكافحة الهجرة غير المنظمة، فتح المسارات الإنسانية هو ثانيها، إعادة تشغيل التعليم والعمل والخدمات هو ثالثها، أما رابعها فهو بناء خطاب وطني يعيد للشباب معنى البقاء، عبر فتح مساحات حقيقية للفعل والقيادة والعيش الكريم.
والمطلوب من السلطات السودانية، أيًا كان موقعها، أن تتعامل مع ضحايا الهجرة كأبناء وطن، لا كأرقام في بيانات قنصلية، يجب إنشاء آلية وطنية عاجلة لحصر المفقودين، متابعة الناجين، دعم الأسر، التنسيق مع السلطات الليبية، وتوفير الحماية القانونية والإنسانية، كما يجب فتح تحقيقات جدية في شبكات التهريب والاستغلال، مع معالجة الأسباب التي تمنح هذه الشبكات قدرتها على اصطياد الشباب.
أما دول الجوار، فالمطلوب منها مراجعة السياسات التي تضيق على اللاجئين السودانيين وتدفعهم نحو الاختفاء، القيود القاسية لا توقف الهجرة، إنها تنقلها إلى الظل، والإغلاق لا يحمي الحدود، إنه يسلم الشباب للمهربين، المطلوب مقاربة إنسانية وقانونية تحفظ الكرامة، وتتيح التعليم والعمل المؤقت، وتحمي الفارين من الحرب من الطرد والإذلال والاستغلال.
وعلى المجتمع الدولي أن يغادر المنطقة المريحة التي تختزل السودانيين في خانة “أزمة إنسانية”، السودان ينتج اليوم موجات نزوح ولجوء وهجرة قسرية بفعل حرب مفتوحة وانهيار واسع، التعامل الأمني مع النتائج، مع ترك الأسباب تشتعل، سيجعل المتوسط أكثر امتلاءً بالجثث، والصحراء أكثر شراسة، ودول الجوار أكثر ضغطًا، وشبكات التهريب أكثر ثراءً، إن أرادت المنظومة الدولية خفض الهجرة غير المنظمة، فعليها دعم وقف الحرب، حماية اللاجئين، تمويل برامج التعليم والعمل، وفتح مسارات قانونية آمنة للفئات الأشد هشاشة.
ويبقى الخطاب الموجه للشباب بالغ الحساسية، لا يجوز مخاطبتهم بمنطق اللوم، فالذي خسر بيته وتعليمه وعمله لا يحتاج إلى محاضرة أخلاقية عن مخاطر البحر، يحتاج إلى بدائل، يحتاج إلى حماية، يحتاج إلى تنظيم، يحتاج إلى أمل له هيئة عملية، فرصة دراسة، تدريب، عمل، وثيقة قانونية، مسار هجرة آمن، مساحة مشاركة، وشبكة دعم، الأمل الذي لا يملك أدوات يتحول إلى عبارة فارغة، أما الأمل المنظم فيمنح الشباب سببًا للانتظار والمقاومة والبناء.
إن مأساة طبرق يجب أن تتحول إلى نقطة إنذار وطني، كل تأخير في وقف الحرب يعني قاربًا جديدًا، كل تضييق في بلد جوار يعني طريق تهريب جديد، كل انهيار في التعليم والعمل يعني شابًا آخر يستسلم للخطر، وكل صمت رسمي أو دولي يعني مشاركة غير مباشرة في إنتاج الضحايا.
السودان لا يخسر شبابه دفعة واحدة، يخسرهم بالتقسيط، مرة في ميادين الحرب، مرة في الجوع، مرة في اللجوء، مرة في البحر، ومرة في فقدان المعنى، والمعركة الحقيقية اليوم أن نوقف هذا النزيف من منبعه، وأن نعيد للشباب حقهم في وطن لا يطردهم إلى الماء، ولا يترك أسماءهم معلقة بين قوائم المفقودين وذاكرة الأمهات.
الرسالة الأوضح من قاع البحر أن الهجرة غير المنظمة ليست قدرًا، وإنما نتيجة سياسة وحرب وانهيار، وما صنعته السياسة والحرب والانهيار لا يعالجه الحزن وحده، يعالجه وقف الحرب، وحماية الناس، وفتح الأفق، وإعادة بناء الدولة حول الإنسان، لا حول السلاح.
