​شرعية الميدان.. “حكومة التأسيس” من أزيز المسيرات إلى توثيق الضحايا في الضعين

​بقلم: محي الدين بلال

​في لحظة فارقة من تاريخ السودان المثقل بالجراح، تولد “حكومة الوحدة والسلام” لترسم ملامح ميلاد جديد للسودانيين، مستندةً إلى “تحالف تأسيس” فريد في تركيبته، يجمع بين القوة العسكرية المتمثلة في قوات الدعم السريع، والثقل المدني التاريخي بقيادة حزب الأمة القومي. هذه الحكومة لم تختر الفنادق الفاخرة في العواصم الإقليمية مقراً لها، بل اختارت “نيالا” لتكون عاصمتها الإدارية، متحديةً أزيز الطائرات المسيرة والقصف العشوائي.

​كسر سردية “حكومة المنفى”

​لطالما روج المعارضون والمنصات المناوئة لفكرة أن أي سلطة تنشأ في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع هي مجرد “حكومة أونلاين” أو كيان ورقي يفتقر للوجود المادي. إلا أن الواقع على الأرض بدأ يفرض لغته الخاصة. فبينما يكتفي البعض بالتصريحات من خلف الحدود، نجد قيادات “حكومة التأسيس” تضع لبنات الدولة تحت النار، محولةً مدينة نيالا من ساحة صراع إلى مركز لإدارة الشأن العام ومواجهة تحديات التأسيس الصعبة.

​جريمة مستشفى الضعين: اختبار الثبات والمسؤولية

​لم تكن الفاجعة التي حلت بمستشفى الضعين التعليمي مجرد حادثة عابرة، بل كانت الاختبار الحقيقي لمدى التزام هذه الحكومة تجاه إنسان الهامش والمركز على حد سواء. إن هبّة قيادات الحكومة من مقرها في نيالا إلى موقع الجريمة في الضعين، والوقوف على أشلاء الضحايا ودمار المرفق الصحي، لم يكن “بروتوكولاً” سياسياً، بل كان فعلاً سيادياً بامتياز.

​هذا التحرك الميداني السريع حمل رسالتين جوهريتين للعالم:

​الأولى: أن هذه الحكومة ليست “كيان منفى”، بل هي سلطة تتحرك في عمق جغرافيتها، وتوثق الجرائم من “مسرح الحدث” لا من خلال شاشات التلفزة.

​الثانية: الالتزام الأخلاقي والقانوني بحماية المدنيين، ووضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته عبر توثيق الانتهاكات التي تطال المنشآت الحيوية في قلب الصراع.

​تحالف الضرورة لبناء الدولة

​إن وجود حزب الأمة القومي، بما يمثله من إرث سياسي، كقائد للطيف المدني في هذا التحالف، يمنح تجربة “حكومة التأسيس” توازناً مطلوباً لإرساء قواعد الدولة. فالمعركة اليوم ليست عسكرية فحسب، بل هي معركة إثبات قدرة على الإدارة، وتقديم الخدمات، وبسط الأمن في ظل ظروف بالغة التعقيد.

​الخلاصة

​إن “حكومة التأسيس” في نيالا تواجه اليوم تحدياً وجودياً؛ ليس فقط في مواجهة القصف والمسيرات، بل في قدرتها على الاستمرار كبديل مؤسسي واقعي. وما تحرك قياداتها نحو الضعين إلا دليل على أننا أمام قيادة تدرك أن الشرعية لا تُستجدى من الاعترافات الخارجية فحسب، بل تُنتزع من خلال الثبات على الأرض والالتحام بمعاناة الشعب وتوثيق صموده.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *