مفارقة العنف والبناء: أي مستقبل يُصنع على أنقاض الإنسان؟
بقلم: محي الدين بلال
لم يعد خافيًا على أحد حجم المأساة التي عاشها ويعيشها إقليم دارفور، ولا سيما مدينة الفاشر التي كانت يومًا منارةً للحضارة والتعايش والتنوع الثقافي. إن ما تعرضت له من استهداف طال الأماكن الحيوية—من معسكرات تؤوي النازحين إلى مستشفيات تقدم أبسط مقومات الحياة—يمثل جرحًا عميقًا في ضمير الإنسانية قبل أن يكون مجرد حدث عابر في سياق الصراع.
إن ضرب هذه المرافق لا يعكس فقط خللًا في التقدير العسكري، بل يكشف عن أزمة أخلاقية وفكرية عميقة، حيث يُستهدف الإنسان في أمنه ومرضه وضعفه. وهنا تبرز المفارقة الفلسفية: كيف يمكن لمن يدّعي السعي نحو مستقبل أفضل أن يهدم ركائز الحياة الأساسية التي يقوم عليها هذا المستقبل؟
لقد كانت الفاشر رمزًا للتاريخ والامتداد الحضاري، مدينةً تحمل في طياتها ذاكرة الأجيال وتطلعاتها. غير أن ما حدث فيها من دمار—بيتًا بيت—لم يكن نهاية الحكاية، بل ربما بداية لوعي جديد يتشكل في ضمير أهلها، ويدفعهم لإعادة تعريف معنى الانتماء والبناء.
إن العالم اليوم يتجه نحو نماذج جديدة من التنمية القائمة على الإنسان، على المعرفة، وعلى استدامة السلام. ومن لا يدرك هذه التحولات سيجد نفسه خارج سياق التاريخ، مهما امتلك من أدوات القوة المؤقتة.
ورغم كل الألم، يظل الأمل قائمًا. فالتاريخ يعلمنا أن المدن التي تُهدم بإرادة العنف، تُبنى بإرادة الشرفاء. وإن دارفور—بإنسانها الصابر، وطاقاتها الكامنة—قادرة على أن تقدم نموذجًا مختلفًا، نموذجًا يُعيد صياغة مفهوم الحضارة من رحم المعاناة.
إن الغد ليس بعيدًا، وما بين الركام تنبت البدايات. وسيأتي يوم تُروى فيه قصة الفاشر لا كمدينة دمرتها الحرب، بل كمدينة نهضت من جديد، أكثر وعيًا، وأكثر قوة، وأكثر إنسانية.
وغدًا لناظره قريب.
