مربع الخبث: هندسة الفرز الاجتماعي في زمن الحرب

​بقلم: الصادق البرلوم

​يمر السودان اليوم بواحدة من أخطر مراحل تاريخه، ليس فقط بسبب دوي المدافع، بل بسبب “معارك الفرز الاجتماعي” التي تُدار في الغرف المظلمة وتحت الضوء، مستهدفةً تمزيق ما تبقى من النسيج الوطني. إننا نشهد عمل لـ “مربع خبث” متكامل الأركان، يستخدم خطاب الحرب أداةً لتشريح المجتمع وإعادة صياغته وفق نماذج إقصائية.

​أضلاع المربع: من الإقصاء إلى التدوير

​يتمثل الضلع الأول في هذا المربع في منصات التضليل التي يقودها أمثال “عمسيب”، والتي تعمل كـ جهاز طرد مركزي؛ مهمتها الأساسية هي “تخصيب” هوية سودانية مشوهة تعتمد على نموذج “الإنسان المتخيل” في مدينة فاضلة لا توجد إلا في أذهانهم. هذا الخطاب لا يكتفي بعزل الآخر سياسياً، بل يسعى لطرده من “الوطنية” وتجريده من إنسانيته إذا لم يتطابق مع المعايير الأيديولوجية المطلوبة.

​أما الضلع الثاني، فهو الصعود المريب لما يسمى “أمير القبيلة” في ولايات الوسط. هذا الخطاب المفضوح لا يمثل هيبة الإدارة الأهلية التاريخية، بل يمثل ارتداداً نحو القبلية السياسية التي تجعل الانتماء للجهة والقبيلة هو صك الأمان الوحيد، مما يشرعن الفرز الاجتماعي على أساس “الخلفية” بدلاً من “المواطنة”.

​الاستثمار في التناقضات

​في الضلع الثالث، تبرز “القوة المشتركة” وتدويرها إعلامياً عبر ذات الخطاب الاستقطابي، مدعومة بتصريحات قادة مثل مناوي، مما يساهم في قيح الجراح الجهوية بدلاً من التئامها، لتتحول القوة التي يُفترض أنها وطنية إلى جزء من منظومة التراشق الاجتماعي.

​ويكتمل المربع بـ “عقل الدولة القديم”؛ ذلك الأخطبوط الكامن في أيديولوجيا الإخوان المسلمين بجناحيها (الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني). هذا العقل هو المايسترو الحقيقي الذي يدير كل هذه التناقضات، مستخدماً “قطيعاً” يتم تحريكه بالعواطف والشعارات لضمان بقاء الطغمة الاجتماعية الحاكمة في سدة القرار العسكري والاقتصادي، حتى لو كان الثمن هو إحراق الأرض ومن عليها.

​الحرب كغطاء للهندسة الاجتماعية

​إن ما يحدث ليس عفوياً، بل هي عملية هندسة اجتماعية ممنهجة تهدف إلى خلق مجتمع “نقي أيديولوجياً” وموالٍ للسلطة، عبر ممارسة أبشع أنواع الفرز ضد كل من يختلف مع توجهات الدولة القديمة. إنهم يحولون الحرب من صراع على السلطة إلى صراع وجودي بين المكونات الاجتماعية، لضمان ألا تقوم للسودان قائمة كدولة مواطنة موحدة.

​ختاماً، إن كسر هذا “مربع الخبث” يبدأ بوعي حقيقة أن معركة الفرز الاجتماعي أخطر من معركة الرصاص؛ فالرصاص يقتل الأجساد، أما الفرز فيقتل روح الوطن ويجعل التعايش مستحيلاً. إن التصدي لهذا الخطاب الإقصائي هو المهمة العاجلة لكل قلم شريف يسعى لاستعادة السودان من براثن “المتوهمين” و”الطغمة” المتحكمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *